المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الوعري Headshot

حصار غزة.. لن يطفئ أنوار الفوانيس

تم النشر: تم التحديث:

لن يستطيع الحصار المشدد على مدينة غزة للسنة الحادية عشرة على التوالي ولا حتى الشموع البديلة عن الكهرباء المفقودة ولا الحروب التي عصرت بالغزيين أن يطفئوا أنوار الفوانيس والزينة المضاءة في سوق الزاوية بميدان فلسطين وسط مدينة غزة، هذه السوق العريقة التي يحكي كل شارع فيها وكل ركن عن عبق وأصل وحضارة المكان، والتي تعتبر قمة الأسواق التاريخية، فرغم ألم أهل مدينة غزة في حياة بلا كهرباء ولا رواتب ولا غاز وإغلاق كافة المعابر وحصار قاتل وفقر مدقع وبطالة ونزوح مئات الأسر بلا مأوى حتى الآن جراء الحرب الأخيرة التي تصادف ذكراها الثالثة مطلع الشهر المقبل، إلا أن أنوار الزينة كانت تملأ أزقة هذه السوق كما تملأ شوارع وحارات مدينة غزة الصامدة، فرغم عمق الوجع، فإن لرمضان في غزة طعماً ومذاقاً آخر، فمع ثبوت هلاله تُزين الشوارع والبيوت بالفوانيس المضيئة؛ ويطل علينا شهر الخير بلماته العائلية وجلساته وحركة المواطنين فيه حتى منتصف الليل وصلة الرحم والتلاحم المجتمعي.

عند وقت المغرب قبل الإفطار توجهت إلى سوق الزاوية، التي كانت تعج بالناس والحركة، وكانت أضواء الفوانيس تلمع في كل مكان رغم ضعف حركة الشراء في هذا الشهر الفضيل، وذلك بعد اقتطاع جزء من رواتب الموظفين ومنع الغزيين من التمتع بالحياة الطبيعية، إلا أن الفرحة كانت تعم المكان، والفوانيس كانت تتصدر البسطات الصغيرة حتى تجذب الأطفال الذين تجمعوا حولها.

الحاجة أم صابر قابلتها هناك فتجاعيد وجهها المرسومة بالوجع تحكي شدة المعاناة التي تعيشها، ففي عينيها غيم كثير لا يمطر، فقد اختصرت نظراتها كل قصتها، فزوجها استشهد في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وهي التي تعيل أسرتها المكونة من 12 فرداً، لكنها اسم على مسمى فهي صابرة صامدة مهما تلوكها السنون ألماً ووجعاً، فهي تأتي كل يوم منذ الصباح من بيت لاهيا شمال قطاع غزة إلى سوق الزاوية وسط المدينة؛ كي تبيع ما في جعبتها من بضاعة حتى أذان المغرب، تفرش بساطاً صغيراً على الرصيف وتجلس عليه كي تبيع التوت الأرضي والنعناع والجرجير، بينما كنت أتحدث إليها جاءها رجل ستيني اشترى منها ضمة جرجير، وعندما أرادت أن تُرجع له الباقي بحثت عن فكة في محفظتها القديمة لكنها وجدتها فارغة، ثم قالت له بيأس: (أنا لم أترزق اليوم!).

سوق الزاوية يوجد بها كافة مستلزمات الحياة، يكفي رائحة العطور والمسك الطيبة، فكل حانوت من هذه السوق العريقة يوجد به العديد من الأغراض البيتية، كما يوجد هناك كافة المكسرات الخاصة بالقطايف وكافة أنواع الأجبان من جبنة صفراء وبيضاء والكشكوان والحلاوة، إضافة إلى التمر هندي، والقطين، والسوس، والخروب، وقمر الدين، والفريكة، والحمص، والجوز، واللوز، وجوز الهند، وكافة أنواع الخضار والفواكه واللحوم، وتكفي رائحة البهارات والتوابل التي شدتني للتمعن بأصنافها العديدة.

القطائف.. اعتاد المسلمون إعدادها وأكلها في شهر رمضان كونها تعد فقط في هذا الشهر المبارك، كما أنها متعددة الأشكال والأحجام، فمنها قطايف محشوة بالمكسرات، ومنها بالفستق الحلبي، ومنها بالجبنة النابلسية، ومنها بالقشدة، وهناك قطائف العصافير الصغيرة طيبة المذاق.

تنقلت بين الباعة، وأنا أسير هناك اخترق سمعي كلمات سريعة كالرصاص كانت موجهة لي من شاب عشريني، بحثت عن مصدر الصوت حتى وجدته يقف أمام محله الصغير مكملاً كلامه: (بكفي تصوير بكفي تقارير بكفي صحفيين من أول يوم رمضان وانتو بتصورونا تعالوا اشتروا، محدش حاسس فينا، البضاعة مليانة بس الحال واقف، والشراء واقف، وغزة محاصرة، محدش مطلع لنا وين الدول العربية، مفيش عنا كهرباء بنفطر عالعتمة وقطعوا الرواتب وقطعوا أرزاق الناس، الله أكبر يا عرب).. لم أتفاجأ بنبرة صوته الحادة ولا بعصبيته ولا بتعابير وجهه الغاضبة، ولا حتى بكلامه، كوني أعيش في نفس المدينة الجميلة المحاصرة التي تعاني كل يوم وتنزف ولا أحد مجيب، فذلك الشاب كباقي الشباب في قطاع غزة أكمل دراسته الجامعية ولم يجد عملاً، فذهب إلى هذه السوق حتى يعيل أسرته، واستأجر محلاً صغيراً حتى يبيع فيه لوازم رمضان، ولكن سوء الحال جعل الكثير من المتسوقين هناك يلقون النظرات على البضاعة التي يبيعها هو وغيره دون أن يشتري أحدهم شيئاً.

فغزة تعيش واقعاً اقتصادياً ومعيشياً صعبا، فمنذ أكثر من عشر سنوات والخريجون يتحدون حصاراً قاتلاً وقف أمام أحلامهم، يذكر أن نسبة البطالة في قطاع غزة وصلت إلى 41% وهي الأعلى عالمياً.

ما زلت أذكر طفولتي في شهر رمضان، شتان بين حياة الأمس وحياة اليوم، كل شيء تغير من جيل بسيط وألعابه متواضعة إلى جيل لا يفهم سوى لغة الإنترنت والأجهزة الذكية، ما زالت في مخيلتي ألعابي الجميلة أتذكرها تماماً كما أتذكر الفوانيس الورقية متعددة الألوان التي كنت أصنعها بنفسي وأفرح بها كثيراً، كما أذكر المسحراتي الذي كان يأتي إلى حارتنا ليوقظ النائمين للسحور.

شد انتباهي من بعيد طفل صغير يجر عربة صغيرة ويبيع بداخلها شيئاً لم ألاحظه، فاقتربت من عربته وسألته ماذا تبيع؟ قال: أبيع السمبوسك التي يطلبها المتسوقون فقط في شهر رمضان، هذا وكانت عربته بها عدة أحجام منها، حينها سألته سؤالاً ألح عليّ بشدة: (هل أنت سعيد يا شاطر بقدوم شهر رمضان؟) أجاب: (لا؛ لأن أخويا الكبير معتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي وأنا زعلان كتير عشان لما يأذّن المغرب بتذكره، كمان إمي بتضل تبكي طول الوقت ونفسها يرجع عشان ياكل من أكلها اللي بتطبخه في رمضان).

وهنا لا ننسى المهمشين من أبناء شعبنا، فهناك من يفطر فوق ركام منزله المهدم، وهناك أسرى فلسطينيون يفطرون داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهناك من يفطر وحيداً بعد استشهاد كل أفراد أسرته في حروب غزة، أيضاً هناك من يفطر داخل كرافانات غير صالحة للاستخدام الآدمي، إضافة إلى شدة الحرارة بداخلها، كما أن جميع الغزيين يفطرون على العتمة بسبب انقطاع التيار الكهرباء طوال اليوم، فالشموع وحدها تحضر بقوة عند اقتراب موعد رفع أذان المغرب.

هذا وشاهدت الانتشار الكبير لبسطات النباتات الخضراء في سوق الزاوية، مثل الجرجير والبقدونس والنعناع والجرادة والبصل الأخضر، فجميعها نباتات مفيدة للصائم، ولها طعم طيب مع الطعام.

اشتريت فانوساً خشبياً كبيراً مزخرفاً بأشكال هندسية جميلة مكتوباً عليه: "رمضان كريم" حتى أُفرح أطفالي؛ لم أنتبه للساعة، سرقني الوقت حتى موعد الفطرة، ثم رُفع أذان المغرب في جامع قريب من هذه السوق، وحين قال المؤذن: الله أكبر.. الله أكبر، حملت أمتعتي، ورحلت، وبقي ذهني شارداً بكل ما رأيته هناك من طقوس رمضانية بحتة، ووضع اقتصادي سيئ، وفرحة ناقصة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.