المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الجراخ Headshot

حقيبة سوداء

تم النشر: تم التحديث:

ذلك اليوم، كان فاصلًا في حياتي، فما بعده واقع وما قبله خيال جميل!
أذكر أنني لملمت كل ما أستطيع.. جمعت ما بإمكاني جمعه..
ثياب مراهقة بسيطة.. ربما ستتحدث عني هناك وتعرفهم من أنا..!
قصائد وكتابات وحزمة صور.. لعلها تذكرني أنا ب من أنا!
امتلأت الحقيبة..!
حقيبتي سوداء.. لكن حبيبة!
كنت أنا وهي نحاول أن نملأ جوفها بكل عبق الماضي!
أمي..!
تستغرب أفعالي؟!
لم تأخذين كل هذه الأغراض.. والمعاطف الثقلية.. ودفاتر أشعارك.. لم تصرين على التشبث بأحلامك وآلامك؟!
تتصرفين كأنك لن تعودي أبدًا
أمي!
أشعر أن روحي تخرج من جسدي.. تهاجر قبلي ودون عودة
لا أعلم أين الوجهة!

ذلك اليوم.. علمني كيف أرتب أولوياتي وأفصل بين مراحل حياتي
فجمعت ألعابي المفضلة.. رتبتها بعناية.. كأنني أهتم بأطفالي الصغار
ودعتهم... لعبة تلو أخرى..!

عروسة بفستان سماوي رقيق.. دب صغير.. علبة حديقة الحيوانات.. مجموعة المطبخ ذات الألوان الزاهية.. عدة الطبيب.
وجميع أحلام الطفولة.

وداعًا قاسيًا كان.. راقيًا بكل تفاصيله!
وضعتهم في حقيبة منفصلة.. أقفلتها بإتقان
انتقلت إلى دفاتر يومياتي وتلك الذكريات.. كتابات الصديقات والمعلمات لي من أيام مدرستي الابتدائية والثانوية.. قرأتهم جيدًا.. قدر المستطاع كي لا أنسى تلك الأسماء ولا الوجوه التي خلفها..!

ووضعتهم في حقيبة أخرى..!
ورتبت كل ما أريد أن آخذه معي.. قليلًا من الأمل وبعض الأحزان..

انتابني شعور قاس بالذنب تجاه ما لم أستطع حمله.. بداية بممتلكات أبي الغالي.. صوره.. أغراضه الخاصة.. كذلك الأمر مع أخي الصغير..
كأنني يومها أعلنت استسلامي.. خففت الحمل.. تركت كل ما يخصهم هناك.. وأخذتهم معي في قلبي.. لذا بات قلبي من يومها ذا حمل ثقيل!

حتى جدران غرفتي.. أشجار حديقتنا.. وردة الراسقي... تفاصيل شارعنا.. أصوات الجيران.. ألحان العصافير وطيور النورس على ضفاف دجلة..
كلها لم أستطع أن أخبئها في حقيبتي السوداء..

لم تعد تتسع لكل هذا الحب!

أدركت يومها أن الحياة القادمة مختلفة جدًّا وأن رحلتي ليست للترفيه أبدًا
ربما ستطول ما طال عمري
ربما سأعود يومًا إلى بلدي

لكن كل شيء سيكون قد تغير بالتأكيد.. وأنا لن أظل أنا كما كنت أبدًا..
لا يمكنني اليوم بعد أكثر من عقد.. أن أعود لو للحظة إلى تلك اللحظة التي سبقت رحيلي بموضوعية وتجرد عن المشاعر.. ألم غريب وحنين قاتل
لا أجيد مهما حاولت اقتلاع مرارة الفراق.. وكيف ودعت كل شيء أحبه.. كل شخص أحبه وأعرفه منذ ولادتي!

كل ما يتعلق بي..علقته هناك على أحد أضواء الطريق بين بغداد وألف مدينة بعدها!

كنت أراقب ما يحدث بعين مشوشة.. أتذكر فقط.. تلك الخطوط البيضاء والصفراء على الطريق.. وكيف أصبحت كأنها خط من نار.. تزداد شرارة مع ازدياد سرعة السيارة التي نستقلها.. راحلين إلى.. ما لا نهاية!

خطوط رٍسمت لي خريطة المستقبل.. رحلة الغربة بدأتها صغيرة.. طفلة أجبرها الواقع أن تكبر بسرعة وتشيخ أحلامها هناك.. على الحدود بين الواقع والمجهول..
تتراكم آلامها وأحزانها.. حاولت جاهدة أن تخبئها في الحقيبة التي رافقني أعوامًا طويلة.. حتى قررت أن أتخلص منها بكل ثقة ودون الشعور بأي ذرة ندم..
كانت رغم كل شيء وفية تساعدني على الاحتفاظ بما أريد.. بما حملته من هناك من البعيد
خنتها أنا.. كنت أظن أنه الحل الوحيد..!

لم أكن أدرك يوم قررت رميها في إحدى طرق الترحال
أنني سأستبدلها.. بمائة حقيبة أخرى.. لكن بألوان مختلفة..!

حقيبة سوداء.. تحكي قصتي أينما أذهب.. تخبرهم عني.. وتذكرني دائمًا بهويتي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.