المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الجراخ Headshot

لم يعد ذلك مستحيلاً

تم النشر: تم التحديث:

إلى كل مَنْ حمل الغيم ألماً وركض نحو الصحو.. نحو الحياة

شدني من يدي.. حملني كمن يحمل.. مظلته

نحو الصحو.. راكضاً نحو الحياة!

همس صارخاً في قلبي.. لم يعد ذلك مستحيلاً!

لم أكن بعد أملك الكثير من القوة لأجاريه في حماسه ولا حتى أمله المجنون، لكن سعادتي حين رأيته فرحاً دفعتني لممارسة الأمل معه.. رغم كل شيء.

ركضنا نحو الصحو معاً ونحن نحمل غيوم الماضي.. تتطاير من فوق ظهورنا، لتنثر مطراً.. كحبات اللؤلؤ فتزهر أقدامنا صدفاً.

لم يترك مكان إلا وأخذني إليه.. أخذني الى الشمس.. الى البحر.

تمرغ بالرمل.. تمرغ بي.. ثم طيرني كأوراق زهرة المغنوليا مع النسمات.

نثرني على السطح.. فأعادني عروساً تمارس طقوس عقد قرانها في الماء.

بعدها عرفني من جديد.. على كل مَن أعرفه.. عليَّ أنا، عليه.. وطفلنا الصغير.

صار يقتني لك كل ما أحبه بكل شغف كأنه يفعل ذلك للمرة الأولى، بدءاً بغزل البنات.. وأنواع الشوكولا التي أحب.. وصولاً لكتب الشعر والروايات.. مرواً بخواتم غريبة تشبهني.. وعقود تزين ألمي.

كنت أضحك فرحاً مما يفعله, لم يسمح لي بأن أقاطعه أو أمنعه من شيء ولم أرد أن أفعل فإنني أعلم كم تسببت له من ألم سابقاً وكم فقد الأمل رغم جميع مخاوفي إلا إنني أعلم أنه يستحق هذا الفرح وأنا أيضاً ربما منحني الله فرصة جديدة كي أعيش.. كي أحبه من جديد, ربما وهبه القدر عطية البدء من جديد.. معي ومع ابننا الوحيد.

أنا وهو أعدنا اكتشاف الحياة من جديد!

بكل تفاصيلها.. مواسمها وفصولها.. حتى اننا سافرنا الى مديتنا التي نسكن.. وكأننا سائحين في شهر العسل.

غيرنا ديكور منزلنا وتخلصنا من كل ما يجب ان نضعه او نستخدمه وتركنا فقط ما نحب وما نريد.. هكذا فعلنا مع خزائن ثيابنا.. وكم ساعدني على أن أتخلص من سواد أوشحتي وفساتيني.. وبدلها لي بألوان قوس قزح.

في ليل ذلك اليوم الموعود الذي انتظرناه دهراً، أعد لي العشاء لأول مرة منذ عرفته، جلس على الارض قرب قدمي.. وضع رأسه الكبير في حضني وبكى كثيراً كل ما حدث.. وكم اعتذر وكم وعدني أن يتغير.. وأنه هذه المرة لن يسمح لأي شيء ما حدث أن يتكرر.. أخذني الى القمر.

وتحدثنا طوال الليل.. عن كل ما شعرنا به.. وظل يتأمل شعري الجديد كغصن تنبت وريقاته الآن.

وبيديه أعاد شفاء كل أجزاء جسدي.. وبدأ يقرأ عليه طلاسيم وكلمات لم أفهمها.

هو يؤمن بأنها ستحميني من كل شر.. وأنا أؤمن به وبما يؤمن!

وغفوت على صحوة قلب وضمير وجسد جمعتنا بعد شتات طويل, وفي اليوم الآخر حضر لي قهوتي.. ووضع الموسيقى التي أحب!

وبدأ يلقن ابننا الصغير.. كلمات حب لأمه الجميلة.. وبأننا لن نفترق مجدداً وبأنني لن أطير!

كنت طوال تلك الأعوام أقنع ورد بأنني سأصبح فراشة بجناحين جميلين أطير حوله دائماً وأحميه ولا أتركه يوماً..

كان دائماً يسألني.. ماما وحين اشتاق إليك ماذا أفعل..!

هل ستبقين فراشة الى الأبد!

لم أكن أجيب إلا بابتسامة الوجع.. وأسرق من الوقت غمرة أستمد بها من حضن ورد كل ما أستطيع أخذه من قوة وحنان وإيمان وصبر وأمل.

كنت حزينة لأنني لن أستطيع مراقبة جميع تفاصيله وهو يكبر, حين يتجه الى باص المدرسة في أول يوم له فيها.. ويعود اليّ راكضاً خائفاً يبكي ويتمسك بأطراف حناني لعلني أعفيه من هذا البعد, وذلك اليوم حين يبدع في لعبة ما مازلت أجهل ما هي ويتفوق في درس ما مازلت لا أعرفه!

كل أيامه القادمة، مراهقته، وكل ما تحمل من نوبات غضب وجنون ومطاردة الفتيات, أول كسرة قلب له, حفل تخرجه, وحين يعلم ما يريد من هذه الحياة.. كل شيء.. كل تفاصيله كانت تقتلني.. حين تهددني بالهجر!

أما أبوه الذي أحببت منذ صغري, لم يكن يوماً بهذا الحب وعلى قدر العشق هذا كاليوم.. لا بل وحتى قبل اليوم.. حين بدا له أن كل شيء يتلاشى كأنه لم يكن، وأن وجودي المضمون.. لم يعد مضموناً أبداً, وربما حين يخرج غاضباً صارخاً مسيئاً.. لن يجدني حين يعود.. ولم أكن قد استطعت مسامحته بعد!

كل تلك الامور البسيطة التي أحب والتي توقف عن فعلها منذ زمن.. استعادها اليوم حين قرر إسعادي.. فهو يعلم أن أي شيء منه بكل شيء ولكنه لفترة طويلة حرمني منه ومن كل شيء.

كأن كل شيء حدث! كان يجب ان يحدث, وبأنني لم أصب بذلك الوحش الجميل إلا لأدرك ما أملك من جمال.. ويدرك من حولي كل الجمال الذي املك.

فحين هاجمني بشراسة وأنا مازلت في السابعة والعشرين, بدا لي أنه عقاب ربما على ذنب لم أكن أتذكر أنني ارتكبته او.. حتى قد ترجمته على انه قلة حظ!

بكيت مطولاً وخاصة انني صاحبة الشعر الغجري الطويل.. وتعذبت حين فقدانه أكثر من أي جزء آخر من جسدي!

كل أحلامي كانت تتساقط أمامي.. تعدم بجرعة كيماوي لا تحرم, كل ما كنت أحاول فعله أن احتفظ بي لأطول وقت ممكن!

ورد.. عينيه العسليتين كأبيه.. لم تكن تفارقني وأنا أتمزق من شدة الالم تصبرني كثيراً وتزيدني وجعاً احياناً.. كذلك وجه امي الحبيب.. وصوته!

أربعة أعوام.. من الكر والفر مع الوحش الملعون, وكأنه كان يلعب معي لعبة القط والفار, ويستفز صبري, وكنت قد فهمت قواعد اللعبة مؤخرا.. وأعلنت عدم الاستسلام.

حينها كل شيء اتضح لي وأنني حقاً كنت مزكاة بهذا القدر من الالم, ليطهرني من الكثير من تفاهات الدنيا.. كأنني منحت هبة.. وتميزت بها عن غيري, كان قنديلاً ينير لي عمى بصيرتي وبصري.. ويساعدني لأدرك ما أريد.. وأركز على من أحب وأعيش بجنون كما اخترت.. أعيش بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

أدركت أن عليّ أن لا أضيع الوقت اكثر في القلق والأرق, وأنني لا اخشى شيئاً بعد.. ولا أخاف العشق بل عليّ أن انغمس فيه لأقصى حدوده.. وأن أتطرف في الحب ولا اقبل أنصاف الحلول, ان امارس الحياة بكل ما فيها.. ولا ابحث عن الخلود.

كل ما عليّ أن أفعله فقط أن أكون أنا.. وأن أكون هنا.

تمسكت بيده بكل قوتي.. آه يا.. رفيق الدرب الطويل.. سأكمل معك طريق النور.. خبئت ورد بين أضلعي ووجه أمي الجميل.. وانطلقت بهم نحو الصحو.. نحو الحياة وأدركت ان ذلك لم يعد مستحيلاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.