المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله العقباوي Headshot

عندما استسلمت "سيسيليا"..

تم النشر: تم التحديث:

يستعرض فيلم (Imagining Argentina) أحداث ما سُمي بـ"الحرب القذرة" - وهو المصطلح الذي يشير إلى عنف رعته الدولة في الأرجنتين في السبعينيات - من خلال قصة (سيسيليا) صحفية وناشطة حقوقية معارضة، تؤمن أن وقوفها ضد الظلم هو خير طريقة لحماية ابنتها ومستقبل الأرجنتين.

غير أن نشاط سيسيليا ينتهي بها إلى زنازين أحد المعتقلات السرية لتعيش وحشية الاعتقال متنقلة بين كافة صنوف المهانة وأقسى أنواع التعذيب والذي يبلغ ذروته باعتقال ابنتها التي لم تودع سنوات طفولتها بعد و تعذيبها على مرأى ومسمع منها قبل أن تنتهي حياتها القصيرة بإعدامها مع آخرين.

أتوقف هنا أمام شخصية باهتة لا تلعب دوراً رئيسياً فيه إنما كان وجودها يحمل الكثير من المعاني. في الفيلم تظهر شخصية الحارس العجوز، الذي تقتصر مهمته في اصطحاب سيسيليا من وإلى غرفة التعذيب، وإحضار الطعام لها في حبسها الانفرادي، يحاول الحارس إبداء تعاطفه معها مرة تلو الأخرى، فترفض عطفه بكبرياء وغضب.

وفي إحدى هذه المرات يصحب السجان سيسيليا من غرفة التعذيب منهكة مترنحة، يواسيها فتنظر له بلا اكتراث، ورغم أنه يعلم أن سيسيليا غير مهتمة بالحديث معه، يسألها لماذا لا تقدر حسن معاملته لها، (لست طرفاً في مأساتك، أنا لا أملك إلا طاعة أوامرهم، فتلك مهنتي ومنها أعول أطفالي.. فلا تعامليني كخصم لك.. ألا ترين أني لم أفعل شيئاً؟) يبدو السجان "إنسانا" مقهوراً رغم وجوده في جانب من تخاصمهم سيسيليا، مقهوراً مثلها، منزوع الحرية مثلها، لكن سيسيليا ترميه بنظرة استخفاف من فوق كتفها قائلة "صحيح أنت لم تفعل شيئاً".

و بإعدام ابنتها، تنهار مقاومة سيسيليا، فما عادت قادرة على تنفيذ وصيتها التي أوصت بها ابنتها لما سيقت لغرفة التعذيب "كوني قوية". تطلب من السجان أن يقضي ليلته معها، فيستجيب لها وما إن يدخل الزنزانة، حتى تستجمع كل ما بقي من قوتها وتقتله!! وبينما ينتفض جسده وهو ينازع لالتقاط أنفاس الحياة، لا ترى كمشاهد إلا قهر سيسيليا الذي طغى على ملامح وجهها فكساه ببرود قاتل، ولن تفكر إلا في آلامها.

كانوا يريدونها مستسلمة وها هي تستسلم، كانوا يريدونها ضعيفة وها هي تضعف، كانوا يريدون منها قبول الأمر الواقع وقبول القهر وها هي تقبل منطقهم. ها هي تريق الدم الذي دافعت عن حرمته، ها هي تنكسر أمام مبادئها فتقتل بنفس الثبات الذي أظهرته أمام جلاديها.

حين كانت قضية سيسيليا، بحجم وطنها، حين كانت قضية حاضر أكثر أمناً ومستقبل أكثر عدلاً، كانت مستعدة أن تدفع "دمها" ثمناً لهذا الوطن وحريتها ثمناً لمبادئها. إنما حينما ضاقت قضيتها لتصبح بحجم ما بقي من سنوات عمرها، أصبحت مستعدة لأن يدفع أولئك الذين يظنون أنهم "لم يفعلوا شيئاً" دماءهم ثمناً لحريتها!!

قد تملك كل أدوات القهر والقوة لتفرض الاستسلام على خصمك، غير أنك لا تملك أن تحدد شكل هذا الاستسلام. قد يستسلم، بينما تبقى جذوة ناره مشتعلة تحت رماد يأسه. قد يستسلم، فيتخلى عن مبادئه السامية، ويعتنق مبادئك أنت السامة، وعندها حتماً سيرتد سلاحك إلى صدرك. قد تستسلم الضحية، حتى حين وقد ينجو الجلاد. وقد لا يدفع الكبار الثمن، سيراقبون بلا اكتراث أولئك الذين تجاوروا في ميدان القهر وهم يتصارعون في نزال لا أحد يخرج منه منتصراً سواهم.. أو هكذا يظنون!

أحداث "الحرب القذرة" كما سميت، دارت في الفترة من 1976 وحتى 1983. وفي عام 2012 صدرت الأحكام ضد زعماء تلك الفترة -خورخي فيديلا (86 عاما) ورينالدو بينوني (84 عاما)- وآخرين باتوا الآن يسكنون ما بقي من أعمارهم زنازين ضيقوها بأيديهم وكانوا يوماً زبانيتها.
نعم قد ينجو الجلاد، إنما حتى حين!!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.