المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله العقباوي Headshot

!ماذا حدث عندما افترق "كرستينا" و"علي"؟

تم النشر: تم التحديث:

فجأة أفلتت ذاكرتي من بين أحضانها هذه الصورة القديمة. هكذا.. فجأة أطل الوجهان بعيونٍ تنطق بالسلام والأمان وسط عالمٍ يلتهم بعضه بعضاً وتلتهم الأرض رغماً عنها من يسيرون فوقها خائفين، تخنقهم أحضانها.. بينما تجري عيونها بالدموع!!. عندها بدأ الخوف الساكن داخلي يتلاشى تدريجياً مفسحاً الطريق لشعور قوي بأن الحياة التي لا تتوقف عن السير، ستقف بي يوماً أمامهما من جديد.

"هي" تقف على يسار الصورة، تلتف ذراعها اليسرى لتحيط بكتفيه، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة محببة تتناسب مع البهجة التي تنطق بها عيناها.. وهي بهجة ستبدو لك حتماً غير مفهومة!!. على يمين الصورة يقف "هــو" يحيطها بذراعه اليمنى، تعلو وجهه ابتسامة ثقة بينما تنطق نظراته بالشغف والفضول. أما في الخلفية فقد كان كل شيء ينطق بالبؤس! حتى السمــاء بغيومها الرمادية أضفت جواً من القتامة على الصورة!!

جيء بهما إلى هنا.. إلى هذا الملجأ على الأطراف بعيداً عن مناطق القتال في "البوسنة والهرسك" - حيث التُقطت الصورة ونشرت ضمن تحقيقٍ مطولٍ عن الوضع المتردي للملاجئ وسوء الأحوال الصحية والمعيشية للأطفال فيها.
اسمها "كرستينا".. طفلة مسيحية صربية فقدت كل أفراد عائلتها تحت القصف العنيف لسراييفو، و اسمه "علي" .. طفل مسلم بوسني فقد هو الآخر عائلته تحت القصف في سراييفو.

كان على الطفلين هنا أن يتعاملا مع كل ما قد يصعب على الكبار احتماله، وحيدين، خائفين، يتيمين، غريبين في ملجأ موحش، وسط جنون حرب تبدو بلا نهاية، وطفولة مبتورة كان عليها أن تودع براءتها وأحلامها وتتعامل مع واقعٍ -أفرزته "حكــمة" الكبار- لا تفهمه.. ولم تصنعه .. ولا انشغلت به يوماً.. لكنها حتماً تدفع ثمنه!!!.
كان عليهما أيضاً أن يتشاركا أيامهما مع أطفال أصحـاء -ظاهرياً- نالهم من كل آثار الحرب النفسية ما نالهم، وانفرد عنهم الصغيران بجسدين عليلين بُترت إحدى أطرافهما.. كان "علي" قد فقد ساقه اليمنى.. و"كريستينا" بُترت ساقها اليسرى. لهذا كان طبيعياً أن يستسلم الصغيران لحالة من الكآبة والانزواء.. زادها إصرارهما العنيد على عدم استخدام العكازات الخشبية المتاحة في ذلك الوقت، بعدما حالت الحرب والأوضاع السيئة هناك بينهما وبين خيار الأطراف الصناعية.

و في الوقت الذي كنت أنا "هنــا" حائرة ألاحقُ والدَي بالأسئلةِ عن تفسيرٍ لكل تلك المصطلحات التي انتجتها هذه الحرب؛ التطهير العرقي، النزاع الطائفي، الحرب الأهلية....الخ، استيقظ أهل الملجأ "هناك" ذات صباح على مشهد غريب لطفلين معاقين اكتشف كلٌ منهما زميله في ساحة الملجأ، و قادتهما فطرتهما السليمة -التي لا يزالان على مسافة قريبة منها- إلى فكرةٍ سارعا باختبارها، إذ خُيل لهما أنهما يستطيعان السير معتدلي القامة بخطوات أكثر ثباتاً دون خوف السقوط، وبدون عكازات رديئة مؤلمة.. إذا تساندا متعانقين كما التقطتهما عدسات المصور تماماً!!. يخطوان خطوة في الهواء بالقدمين المبتورتين، تليها خطوة تجاهد أن تكون ثابتةً، تتعثر "كرستينا" و يفقد "عليٌ" اتزانه فينكفئان سوياً على الأرض، إنما و بعناد يعاودان المحاولة والسقوط.

منذ تلك اللحظة، اتخذ كلٌ منهما الآخر عكازاً، و أماناً، وعائـلة أيضاً. وبعزيمة لم تهزمها كواسر الحياة ولا انكساراتها، يستيقظان كل صباح يتلمسان الطريق إلى بعضهما البعض متقافزين على القدم الوحيدة، مستندين إلى الجدران الباردة حتى يلتقيا.. فيلقي كلٌ منهما خوفه، وأسوأ كوابيس ليله في صدر رفيقه.. يتعانقان.. فيتكاملان جسداً، ثم ينطلقان لمشاركة أطفال الملجأ ألعابهم، ولا تردهم اعتراضات الصغار، فالقواعد ثابتة.. "كرستينا" و "علي" فردٌ واحدٌ في كل ألعاب البنات والصبيان!!.

مثلكم.. أسمع منذ وعيت على الدنيا عباراتٍ من قبيل "وحدة المصير"، "النسيج المشترك" و "فسيفساء التنوع"...الخ، لكن صدقوني أن أحداً لم يحسن شرح الأمر لي كما فعل الصغيران. مختلفان في العمر، في الجنس، في الطول، في العِرق، في الدين، في الهوية قررا الاتكال على القاسم المشترك الوحيد الذي يجمعهما، وللغرابة كان ما يجمع بينهما هو حاصل ما قسمته الحرب و طرحته من جسديهما، فإذا بهما يجدان فيه سبباً كافياً للتكامل!!!.
ترك الصغيران أثراً لا ينمحي في نفسي و تكويني، هو في معظمه إيجابي، وكثيراً ما شغلني مصيرهما. ماذا حدث عندما أعيد اللاجئون إلى قُراهم؟ ماذا حدث بعد أن قُسمت البلقانُ إلى مناطق بوسنية، و صربية، هل افترقا؟ أم هل تمردا مرة أخرى على "حكمة" الكبار وتمسكا بالبقاء سوياً؟؟ وهل استسلم الكبار هذه المرة لإرادتهما النقية؟؟

تُلح علي صورتهما كثيراً هذه الأيام، تُذكرني بكابوس "كرستينا" المؤرق. كان ل " كرستينا" خوفها الخاص، تخاف الصغيرةُ كثيراً من الأفيال!! و تردد بإصرارٍ أنها المسؤولة عن قتل عائلتها و عائلاتٍ أخرى!!!

هكذا حوّل خيالها الفيل من "صديقي" إلى "عدوي" عندما صور لها دبابات الصرب الرابضة على الجبال المحيطة بسراييفو، كقطيع من الأفيال يصب غضبه حمماً على أهل المدينة المُحاصرين فيها دون تمييز!!. وهو تشبيه طفولي ذو دلالة عميقة إن ألحقناه بالمثل القائل "عندما تتصارع الأفيال فإن العُشب وحدهُ يموت"!!. لم تكن "كرستينا" تعلم حين رسمت بخيالها تلك الصورة، أنها وصغار الملجأ عُشب الأرض المسحوق بلا ذنبٍ تحت أقدام الأفيال في البلقان!. لم تكن تعلم أن أفكارها التي تملك مفاتحها هي التي صنعت لها من خوفها كابوساً يؤرقها ويسرق منها بريق النور الذي تأمن إليه مع "علي" وسط كل هذا الظلام!!.

لم تكن "كرستينا" تعلم، لكن الأفيال تعلم ونحنُ نعلم!!. نعلمُ أننا عُشب الأرضِ، وماؤها، و دماؤها، وحلمها، وأغانيها الشعبية الممتدة جيلاً بعد جيل. نعلم أن الأرض لم تسأل يوماً زُراعها لآلاف السنين عن أعراقهم أو ألوانهم، نعلم أن الرمل لم يسأل الشهيد والدم المسفوح عن أصله، و أهله، ودينه. نعلم أن الخبز الذي نتقاسمه نبت مروياً بعرقِ مزارعٍ في أقصى الأرض وأدناها لن تستطيع أبداً أن تُجزم إن كان على دينك أم على دين آخر!! إن كان بلونك أم بألوان الحياة، هل تستطيع؟؟ بل.. هل تجرؤ؟

فمن جاء إذن بالأفيال المتصارعة في البلقان إلى أرضنا؟؟ من سمح لها أن تستبيح عقولنا فترعى فيها وتكبر، ويكبر معها جهلنا.. وخوفنا.. وقلة حيلتنا.. وضعفنا.. حتى إذا ما هاجت وعجزنا عن كبح جماحها انطلقت تتجسد واقعاً يتصارع فيقتل فينا الإنسان والإيمان والأمان .

ماذا حدث عندما افترق "كرستينا" و"علي"؟!.. سؤال لم أعرف إجابته يقيناً، لكن حيثما دارت عيناك في هذا العالم وجدت الجواب حتماً!

رأيتُ "كرستينا" مرةً باكيةً في سُرادقِ عزاءٍ ممتدٍ في العراق، ورأيتُ "علياً" مقيداً كسيراً في سجن أبو غريب!!

و مرةً سمعت أن "كرستينا" محتجزةٌ على المعابر في رام الله.. عبثاً تحاول الوصول إلى "علي" المحاصر تحت القصف الإسرائيلي في غزة!

ثم عرفت أن صرخات "كرستينا" الحرة وهي تتهاوى تحت ضربات العصي في مظاهرة هنا، وصل صداها إلى "علي" العادل المعتقل في مكان لا نعرفه ولا يعرفه.. فأبكاه!!!.

كانت "كرستينا" تتلوى جوعاً على الأرض القاحلة في الصومال، يوم رأيتُ "علياً" مضرجاً في دمائه وقد استقر على صدره سلاحٌ يفوقه طولاً!!
سمعت "كرستينا" تنادي "علياً"، رأيتها تحاول الإفلات من أحضان موج المتوسط المتلاطمة، رأيتها تطلق زفراتها اليائسة، فيمس دفئها وجه "علي" في "الغوطة"، وعبثاً تحاول رئتاه المهترئتان بغازات الموت أن تلتقط آخر أنفاس "كريستينا"!

آخر مرةٍ رأيتهما فيها.. كان "علي" على يسار الصورة هذه المرة! و"كرستينا" على يمينها.. بالكاد يمسك يدها، وبين الجسدين أطلت وجوهٌ بلا ملامح.. وأخرى بملامح وحشيةٍ شيطانيةٍ، وجوه تتقد خبثاً وأخرى باردة كما الموت.. وكلما أطل وجهٌ من هذه الوجوه زادت المسافة بُعداً بين الصغيرين.. وأخذا يضربان بأيديهما في الهواء عبثاً يحاولان الاتزان على قدمٍ واحدة، كانت "كرستينا" تتهاوى في أقصى يمين الصورة بينما تمتد يدا "علي" تمسك بالفراغ في أقصى يسارها .. مددت يدي لعلي ألتقطهما، لكن الوجوه زادتهما بُعداً حتى خرجا تماماً من طرفي الصورة وأُغلق الإطار دونهما.

ماذا حدث عندما افترقت "كرستينا" و"علي".؟؟! أما زلت تبحث عن إجابة للسؤال؟
هاك إذن الأقلام، لا.. ليس قلمي، بل التقط ما شئت غيره. هاك صفحات في فضائنا، وأخرى في مواقع التواصل، وفي الشوارع والمجالس، اكتب أنت إجابتك.. صُف كلماتك في عالم لا يعرف الاصطفاف إلا في ساحة الظُلم ورقصة الموت! سن قلمك، حرك أصابعك، اصنع من كلماتك سهاماً أو رصاصاً وأفرغه في الجسد البريء، ناد بحرق كل "كرستينا"، وإعدام كل "علي"!! ..اجمع الدمع المتحجر في مآقيهما وارجم به أحلامهما اليتيمة.. ارجمها حتى الموت!

إنما لا تنس وأنت تفعل أن تنظر إلى وجوه بناتك و تتأمل ملامح "كرستينا" فيها!!، ولتنظر ملياً إلى ابنك اللاهي بألعابه وابتسم للشقاوة التي تطل من وجه "علي" بكل وضوح!! ثم اسأل نفسك.. إلى أي مصير تسلمهما "حكمة الكبار".. وماذا فعلت أنت؟؟!

هاك الحروف، اصنع منها حبالاً منصوبة يتدلى منها الجسدان، أو اضفرها واصنع حبل نجاة لهما، و جسراً يجمع الجسد المشقوق.
هاك البيان، اصنع منه سحراً يحملنا إلى الله، أو سحراً يُعمي بصائرنا فلا نرى الله.
أو تدري؟.. بل هاك صحيفتك، اكتب فيها ما شئت فإنك مُلاقيه.

أما أنا، فسأترك للصغيرين قلمي وعالمي، سأتركهما يخطان طريق النجاة، وسأتبع آثار القدمين إذ تطأ ضمائرنا.. ستبقى عيناي تحتضنان صورة الصغيرين بكل معانيها وتفاصيلها، بكل أملٍ ظهر فيها.. وكل أمان غاب عنها، بكل ثقة وضعها كلٌ منهما في رفيقة دون تردد، بكل بهجة تتلمس الطريق إلى قلب الصغيرين.. وكل فرحة تعدهما بأن لهما فيها أعظم نصيب، بكل مخاوف الأمس .. وآمال الغد، بكل خطوة اُريد لها أن تكون مترنحة بطيئة.. لكنها تسير بثبات مرفوعة الرأس نحو الأمام.. نحو الحلم الذي صنعاه في عالم مخيف، بكل حكمةٍ فطريةٍ حاضرةٍ فيها.. وكل حكمة عظيمة غابت عنها!
أنا سأتمسك بالأمل الباقي في هذا الوطن رغم كل المحن.. أنا.. سأتمسك بكل لحظةٍ عرفت فيها.. ماذا حدث عندما اجتمع "كرستينا وعلي".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.