المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله العقباوي Headshot

#الفشل_علمني | الفشل بئر؟ نعم.. ارتو من مائه إذن وابتسم..

تم النشر: تم التحديث:

في الحياة ثلاث حقائق أساسية..
يؤمن كل البشر على اختلافهم بأولها، و ينكر بعضهم ثانيها، و فساد الحياة في نسيان ثالثها..
أما الأولى: إن الموت آت وهو النهاية الحتمية لكل حي.
والثانية: إن للكون إلها يدبر أمره ويرعى خلقه آمن به من آمن وكفر من كفر..
أما الثالثة: فأنا وأنت لسنا هذا الإله!!!
لا أقول أن هذا هو أبرز دروس الفشل، إنما هو درس الحياة الأهم الذي علمتني إياه تجاربها.

و لأننا لسنا هذا الإله، فمفردات الألم، الحزن ، الفشل و الخوف أمر طبيعي و كأنه بعض منا، غير أنه البعض الذي أُعطينا القدرة على تغييره و تحويل مساره..
ولأننا لسنا هذا الإله الواحد، فنحن شركاء في هذه الحياة، لا ندور في أفلاك مغلقة، بل تتقاطع دروبنا حينا، وتتباعد حيناً، ونتصادم أيضا إنما في النهاية نتساند ونحتاج لبعضنا بعضاً فيها.
ولأننا لسنا هذا الإله، فلسنا نملك القدرة على التحكم في مجريات الحياة ومقاديرها ولا البشر فيها، فنصيبنا منها نناله بطول صبر وكثير من عمل وعلم. وإننا وإن كنا سنفارقها يوما، فإننا لابد سالكون طريقنا فيها شئنا أم أبينا!، وهو طريق تشقه عزائمنا وهزائمنا، نطارد فيه أحلامنا، وتطاردنا فيه كواسرها، تغلق دوننا أبوابا كثيرة فنطرق أخرى بأيادينا، و يد الله فوق أيدينا.

علمني الفشل أن الناس تحب أن تشاركك نجاحك، و قلة هم من سيتمسكون بإيمانهم بك، وأنه لا بأس إذ تصطدم بجداره أن تتهاوى مطمئناً تاركا الفرصة لأياديهم فتتلقفك، تربت على كتفيك، أو تصرخ محمسة إذ ركنت لليأس، لتقف، لتستند على الرفاق والأهل الذين نجحت في اختيارهم لوقت ضعفك، واجتهدت في حفظ ودهم، فسارعوا يوم أعلنت فشلك، يعلنون هم نجاحك!.. عندها ستكتشف أنك حقاً تتهاوى في أحضان نجاحك!!.
علمني أننا ضعفاء في مواطن قوتنا أحياناً، وأقوياء في مواطن ضعفنا أحايين كثيرة. وأن بعض قوتنا كالذهب تجليها نار الفشل، فيخرج من بين لهيبه جمال جديد، وفكر مصقول، ومعان عظيمة ما كنا ندركها.
علمني الفشل أن الحياة أقصر من أن نضيعها في الخوف مما هو آت والأسف على ما فات، لكنها تتسع لكل محاولة جديدة منا وتمنحنا الفرصة تلو الأخرى، وأن كل لحظة تمر تمد لنا يدها لنتشبث بها، لننهض، غيرأنها لن تتوقف إن اخترنا التمسك باللحظة الخاسرة، و رأيناها كل الحياة.
علمني أن الأمور بنهاياتها، وأن التجارب لا تنتهي إلى الفراغ، والفشل لا يكون فشلاً إلا إذا انتهى إلى اللاشيء، فإن كان "اللاشيء" عصيا على إدراك الحواس، فإن في العقل متسعا لإدراكه، بقراءة السطور التي غابت عن البصر بعين البصيرة، فإن عميت هذه العين و أغمضت، فالفشل إذن قرار.
علمني أن ثوابت الحياة متغيرة، وأن كل شيء قابل للتغير، إلا قانون التغير، وإذا كان سير القهقرى جبنا، فإنه في مسار الفشل شجاعة، وإذا كان نصف النجاح فشلا، فنصف الفشل نجاح أحياناً، وفي ختام كل تجربة يمثل درسها لمن أراد.
علمني الفشل ألا اقف طويلاً أمام المرايا، حيث أنا ملء الصورة ومحورها، وحيث لا أرى إلا ما وليته ظهري.
و أن أنظر حين أنظر للحياة من خلال لوح زجاج حيث أنا مجرد "طيف"، خيال يتداخل مع خيالات من حولي وما حولي، وحيث الطريق الذي تركته خلفي يبقى ماثلا وإن امتد بعيدا. والطريق أمامي يتجلى واضحاً وإن لم أر آخره، والوجوه في مواجهتي خلف الزجاج تبين ملامحها رويداً رويدا.
علمني الفشل أنني يمكن أن أسافر إلى الماضي أحياناً، إلى "هبة" التي تركتها خلفي، أن أعود لأقول لها: لا عليك، قد اجتهدت، الفشل ليس وصفك، إنما هو بعض فعلك، بعضه لكنه ليس أنت.
أن أعود لأقول لها: نعم ما عدنا نتشابه، وأصبحت أجهل كثيراً من أفكارك، ربما لم نعد نتحدث نفس اللغة واختلفت ملامحنا، وما عدنا نتشارك كل الأحلام، لكن قيمك لا تزال قيمي، ومبادئي لم تتغير، ما زالت جذورها ممتدة إليك، نعم عجزتِ وقتها عن اختيار الصواب، و نعم تاهت بك السبل وتشعبت، لكنك أيتها الحبيبة شققت صدرك وتحملت كل الألم لأصبح أنا أنا، فاطمئني، أنا أبداً لن أنظر إليك إلا باحترام، لن ألومك، ولن أستضعفك، وحتماً لست أكرهك، فلولاك ما كنت أنا.
اليوم أرتقي السلم لنقطة أعلى، فلما نظرت أسفل مني رأيتني أقف على كتفيك!، وفي كل مرحلة ينشق صدرك لتخرج منه إنسانة أخرى تصبح بعضي مثلك ويحملني كتفاها لنقطة أبعد.
اليوم أعود لأتشبث ببعض الأحلام المنسية، لأزيح عنها ركام الزمن، فالإنسانة الجديدة التي أصبحتها باتت أقدر على رعايتها وربما تحقيقها. لم لا؟
علمني الفشل أن التفاؤل عبادة، بل وفريضة أيضا، وأن اليأس كفر، وأن الحياة وإن كانت غير عادلة، فإن الله هو العدل المطلق، وأننا في رحلتنا لا نملك إلا بذل كل جهد نستطيعه، وأن نحسن السعي والعمل قدر ما نطيق، فإن جاءت الريح بما لا تشتهي سفننا، وسارت الأقدار بعكس ما أردنا، فإن تسليمنا بالقدر ليس استسلاما، إنما اعترافاً بقدر مدبر الأمر وقدرته.. وأننا بإحسان السعي تجاوزنا كل اللوم.
عندها فقط ستهدأ نفوسنا، وتستكين صدورنا لله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.