المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله العقباوي Headshot

على وجه القمر

تم النشر: تم التحديث:

شدني اسم هذا الكتاب فضممته إلى مكتبتي، باغتتني تفاصيله المُرهقة، فانصرفت عنه حتى حين! لكن حدثاً لاحقاً ردني إليه..

ففي صفحة لمجموعة نسائية على الفيسبوك، كتبت إحدى العضوات منشوراً فتح باباً لجدل واسع، ومعركة استمرت مشتعلة في التعليقات فترة طويلة.

السيدة كتبت قائلة إنها كانت في عزاء ابن صديقتها وكان من المعاقين ذهنياً، في مجلس العزاء حين غابت الأم لبعض الوقت، تراوحت تعليقات الحاضرات بين "هذا أفضل من الجيد أنه مات"، "استراحت من همه"، "آن لها أن تسترد حياتها الطبيعية"... إلخ، لم يكن يعلمن أن كاتبة المنشور التي تنصت بحزن لتعليقاتهن القاسية لها ابن بنفس ظروف الطفل المتوفى!!

كتبت تتساءل: لماذا يعتقد الناس أن أبناءنا من ذوي الاحتياجات الخاصة عبءٌ نتوق للحظة إزاحته عن كاهلنا؟ لماذا يظنون أننا ننتظر موتهم ونفرح به؟!.. ثم راحت تتحدث عن ابنها، وحبها له وكيف لا يُفرق القلب بينه وبين بقية إخوته الأسوياء، ورغم أنه لا يعي العالم من حوله ولا يُحسن التواصل مع أبويه لكن رابطاً بينه وبينهما يسمح لهما بفهمه، وأن وجوده رغم كل شيء مصدر سعادة، وإن بدا هذا غير مفهوم للآخرين.

توالت تعليقات العضوات على منشورها، ثم سرعان ما تفرعت في اتجاهات شتى ما بين إشاعات، وخيالات، وأحكام واتهامات زادت الجدل اشتعالاً. نحو 90% من التعليقات كانت تنم عن جهل تام -وربما مبرر- بحال الأسر التي قُدر لها خوض هذه الرحلة.

لاحظت أن كاتبة المنشور لم تُعلق على أي منها، ببساطة رسالتها لم تصل، هي لم تكن تشكو محنتها لهن، ولم تكن ثرثرة تتخفف بها من أحمالها، إنما لا أستطيع لوم مَن شاركن بتعليقاتهن على سطحية نظرتهن للأمور، فقلة هم من تلامسوا بشكل عميق مع تجربة كهذه، كما أن تناول الأدب والإعلام لحياة ذوي الاحتياجات الخاصة، إما صباً في طرح النماذج الناجحة، أو مناقشة الأمر في حدود "المأساة"، لا بصفتهم شركاء لنا وجزءاً من هذا العالم.

" الصبي في وجه القمر"، كتاب يفتح مؤلفه الكندي "إين براون" حجرات بيته، وثنايا قلبه ومشاعره بلا خجل أمام قارئه، بينما يصحبه في رحلته الفريدة لاستكشاف عالم ابنه "ووكر" المصاب بمتلازمة نادرة بلغ عدد الحالات المسجلة بها عالمياً وقت تشخيص إصابته ثمانية أشخاص!! أو كما سماهم براون "سكان المجرة"، وهي خليط بين الإعاقة الجسدية، والتأخر العقلي، والتوحد، وأمراض مزمنة يعاني آلامها باستمرار.

يصف براون ولده قائلاً: "أحياناً تُشبه مشاهدةُ ووكر النظر إلى القمر، فأنت ترى وجه رجل في القمر، ولكنك تدرك أنه لا يوجد أي شخص بالفعل هناك".

وصفٌ قد ينطبق علينا هنا كمجتمع إن قرأته عكسياً، فنحن ندرك "وجودهم" بيننا، لكننا نتصرف كما لو كنا "لا نراهم".

من أول سطر يسحبك الكاتب إلى عمق حياته اليومية، يناقش أفكاره ومخاوفه معك كصديق، طارحاً عليك أسئلته العميقة الحائرة كما لو كان يتوقع منك جواباً!! "يتمثَّل الجزءُ الصعب في محاولة الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها ووكر في ذهني كلما حملته. فما قيمةُ حياة مثل حياته؟ حياة تُعاش في الظل، وغالباً في ألم؟ وما قيمة حياته عند من حوله؟ وإذا كان ووكر لا قيمةَ له، فَلم يحمل هذا القدر من الأهمية بالنسبة إلي؟".

يرتحل براون بسلاسة بين مشاعره بكل ما فيها من تخبط، فهو الساخط على امتداد نفوذ "مجرة ووكر" واستحواذها على موارد الأسرة وطاقاتها وأحلامها، وهو المتلهف والممتن للحظة اتصال بينه وبين ساكن المجرة "المتعالي!" يستشعر فيها أبوته!

"أحياناً يصرخ لساعاتٍ دون سبب، وتأتي ليالٍ لا ينفع فيها عمل شيء، وليالٍ يكون فيها مستيقظاً يضحك ويلعب ويزحف عليَّ. لا أبالي في هذه الليالي، مهما أصابني من تعب، في الليل هناك فترات يكون فيها ووكر طفلاً طبيعياً فبصره ضعيف، ولكن في الظلام كلانا سواء، وأعرف أن هذا يُسعِده".

"جعلني أقترب منه، ولأسباب غير واضحة ً كنت ممتناً له لذلك، وسأكون كذلك دائماً، إلى أين كان يمكن لي أن أذهب من دونه؟ فقد كان ولداً صغيراً، لا حول له ولا قوة، يعتمد على الآخرين، من يكون معه هو عالمه، وأحببت أن أكون عالمه، إذا سمح لي قلبه المتعالي بذلك!".

بينما تمضي بك فصول الكتاب، قد تلح عليك فكرة شغلتني، فكرة أن ما يرويه براون عن ابنه وما يختبره ويصفه من مشاعر، واجتهاد لحمايته حتى من نظرة إشفاق عابرة لا يتألم أو حتى يشعر بها الصغير، لا يختلف عما قد يخبرك به أب في غير ظروفه، غير أنه من النادر أن يبوح أب بتفاصيل علاقته النفسية مع أبنائه بشكل عام. ولن يطول بك التفكير، حتى تجد الكاتب يطرح نفس السؤال عليك في مستهل الفصل السادس "لكن دعني أسألك هذا السؤال: هل ما نمر به يختلف عما يمر به أي والد؟ حتى لو كان طفلك طبيعياً كأي طفل؟ هل حياتنا تختلف حتى الآن عن تجربتك؟ ربما أكثر مشقةً نعم، أكثر حدة في أغلب الأحيان، ولكن هل تختلف فعلاً في النوع؟".

"لم يكن ووكر مدعاة كبيرة للتفاخر، من الناحية العقلية أو البدنية، ولكن مثل كثير من الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فقد غير حياة بشر آخرين، غير حياتي أكثر من أي أحد آخر، فقد عمقها ووسعها، وجعلني أكثر تسامحاً وتحملاً، وائتماناً من الناحية الأخلاقية، ومنحني نظرة أشمل للحياة.. كان مصدراً للمتاعب، وكثيراً ما كان المخرج منها أيضاً..

تدريجياً، يفتح لك براون ساحة أغلب المعارك الخفية التي تخوضها أسرة لها طفل يعتمد عليها بشكل كامل، تاركاً لك التفكير في كيفية إدارتها، هو لن يخبرك كيف تكسبها؛ لأنه مقتنع ألا معركة منها انتهت أو ستنتهي.

فـ"جوانا"، لا تملك رفاهية التفرغ للعناية بطفلها رغم ضرورته، طفل مختلف يعني احتياجات مختلفة في مجملها تستنفد موارد الأسرة ومدخراتها، يتبادل الزوجان العناية به، لكن أيهما لا يمتلك رفاهية الراحة، فحين يأتي دور هذا لرعاية ووكر، يقوم ذاك بالأعمال الأخرى وحده في المنزل والعمل ومع هايلي وكل شيء!

"هايلي" -الأخت الكبرى والوحيدة لووكر- تعيش مفارقة غريبة، فرغم كونها طفلة سليمة، تستطيع التفاعل مع العالم، تصبح "طفلة في الظل"، تعيش عزلة داخل الأسرة بسبب انشغال والديها الحتمي بووكر، ووكر يعيش عُزلته داخل عالمه الذي يجتهد والداها لاختراقه بغية إيجاد طريقة ما للتواصل معه!

يصدمك براون بإحصائية تقول إن 60% - 80% من العلاقات الزوجية في أسرة بها طفل يحتاج عناية خاصة ومستمرة تنتهي بالطلاق! وهو تماماً عكس ما يظنه المجتمع، فمن الناحية النظرية، قد يجمع وجود طفل معاق الأسرة معاً، كمشروع مشترك، تحد مشترك، بينما عملياً تستنفد علاقتهما بهذا الطفل وتفاصيل يومه طاقتهما مما يؤدي لانهيار مفاجئ.

المحن بطريقة ما تعزل من يعانيها داخلها في عالم موازٍ لا نراه، وفي العلاقة الزوجية، لا أحد يملك خوض المعارك اللازمة لحفظها من الانهيار سوى طرفيها، فرغم كل شيء عليهما إيجاد متسع من الوقت والطاقة يرعى فيه كل منهما شريكه، تلك معركة خفية عسيرة لا يراها المجتمع!

المجتمع هو أيضاً يأبى إلا أن يكون عبئاً نفسياً على الأسرة لا عوناً لها!، النظرات، الأسئلة الغريبة، الافتراضات الأغرب. يقول براون عن هذا "لا أريد إلا طلباً يسيراً، أن يعترف العالم بأن حياتنا، حياة ووكر وهايلي وزوجتي وأنا، لا تختلف عن حياة أي شخص آخر، فيما عدا درجة التركيز والانشغال. يسأل الناس في الغالب: كيف تتمكن من فعل ذلك؟ كيف لا تزال قادراً على الضحك، وعندك ابن مثل هذا؟، والإجابة بسيطة: الأمر أصعب مما يتصوره أي إنسان، ولكنه مُرضٍ ومجزٍ أكثر مما يتصوره أيضاً".

ثم هناك المعركة الأطول والأكثر ألماً، تلك التي يصارع فيها الزوجان شعوراً دائماً بالذنب، والتقصير والفشل! "هل تعرف أي شيء عن هذا الأمر؟ كنت في تلك الليالي الصعبة أشك أن أحداً كان يعرف بما يجري لنا أو يشعر بوطأة معاناتنا، تيقَّنْت من أننا كنَّا بمفردنا. من الصعب توضيح شعورنا عند فشلنا في تعليم ووكر النوم أو الكلام أو الأكل أو التبول أو حتى النظر إلينا، هل يمكن أن تتخيَّل حجم هذا الفشل؟ أدرك أن هذا غير معقول، ولكننا شعرنا بالمسؤولية عنه!".

ذات يوم بعيد، عندما شُخصت حالة ووكر، علق براون في ساحة لصراع أخلاقي بين قلبه وعقله بينما يفكر في إمكانية إنهاء معاناة وليده بقتل رحيم! ربما لهذا اختار "براون" صالة الانتظار في المشفى الذي ولد فيه ووكر حيث بدأ رحلته الفريدة مع ابنه، لتكون المحطة الأخيرة التي يحط القارئ فيها رحالة، بينما يطوي آخر صفحات الكتاب مغادراً مجرة ووكر ورفاقه.

يسقط جسد الطفل الذي أكمل عامه الثالث عشر مغشياً عليه، إثر انطلاق عشوائي ومُطلَق للخلايا العصبية -هذا هو التفسير الطبي للنوبة- فيتلقفه "براون" بين ذراعيه كأول مرة حمله فيها رضيعاً، يضمه هذه المرة بحنان وقوة ومشاعر أكثر نضجاً وفهماً.

"حملته بين ذراعي بهدوءٍ قدر ما استطعت، وفكرت أن الوضع سيكون على هذا النحو إذا مات. لم يكن هناك شيء يمكن أن أفعله، ولم أكن أخشى ذلك، فقد كنت قريباً بالفعل منه بقدر المستطاع لا يوجد فاصل بيني وبين ابني، لا فجوة ولا هواء، ولا توقع أو خيبة أمل، ولا فشل أو نجاح، فقط هو رفيقي الصامت الضاحك أحياناً، وابني.

كنت أعرف أني أحبه، وكنت أعرف أنه كان يعلم هذا، كنت أحمل هذا الجمال بين ذراعي، وانتظرت أي شيء يمكن أن يحدث بعد ذلك، انتظرنا معاً"

" الصبي في وجه القمر".. كتاب يحاول كاتبه جعل علاقتنا بذوي الاحتياجات الخاصة كما اللاعبين في نفس الفريق، يساند بعضهم بعضاً، لا فريقين منفصلين يختصمان!!

كتاب يجعلك تفكر، وتعيد النظر في فهمك للحياة ومشكلاتها، وتدرك قيمة أصغر النعم شاكراً ربك، سيجعلك تبكي، وتضحك، وتتألم، وتتساءل أسئلة قد تبقى كأسئلة كاتبه بلا إجابات واضحة، غير أن بحثك عنها قد يسمو بروحك عالياً، لتلامس روحاً حائرة على وجه القمر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.