المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله العقباوي Headshot

لحظة! هل تسمعون ما أسمع؟

تم النشر: تم التحديث:

كنت أشاهد برنامجاً يتحدث عن تقنية طبية حديثة لإعادة السمع لمن وُلدوا صُمًّا. استضاف البرنامج شابة ثلاثينية خضعت لتجربة العلاج الجديد، بالإضافة للجراحَين اللذين ابتكرا وأجريا الجراحة، ليتحدثا عن إنجازهما الطبي.

وبالطبع سُئلت الشابة عن مشاعرها، والصعوبات التي واجهتها، فقالت إن استرداد السمع يكاد يكون بصعوبة فقده، وإن التكيف مع الأمر ما زال مرهقاً، وكان مما حكته، أنها في طريق العودة من المشفى للمنزل، ظلت تسمع صوتاً منتظماً لا ينقطع، سألت زوجها عنه فأنكر سماعه. حين عادت للبيت كان الصوت لا يزال مستمراً، ثم كان أن اختفى بعض الوقت، "كان الأمر مثيراً للجنون" هكذا قالت. حتى اكتشفت بعد بحث محموم أنه صوت أنفاس رضيعتي النائمة!!

فسر الطبيبان الأمر بأن الذاكرة السمعية تبدأ بالتكوُّن مبكراً ونحن أجنة، ومع الوقت يبدأ المخ بعزل الأصوات غير المهمة إلى أقصى الذاكرة، فيتعايش معها الإنسان دونما انتباه، فلا يتشوش إدراكه. لهذا قد نجد رضيعاً ينام بهدوء رغم ضجيج الشارع حوله، بينما يعجز رضيعٌ آخر لم يعتد صخب الشارع عن النوم. والشابة هنا تمر بتجربة الجنين السمعية حيث لا يزال المخ يلتقط كل الأصوات لتقييمها وتحديد موقعها في الذاكرة، بينما لا يستطيع عقلها البالغ منع نفسه من الانشغال بكل صوت، ويجد صعوبة في تجاهل الانفعال به، ومن هنا بدا الأمر كابوساً مستمراً ينغص أيامها كما قالت.

نصيحة الأطباء لها بسيطة. أن تكتشف مصدر الصوت، فإن كان بلا أهمية كهمهمات الناس في الشارع مثلاً، فعليها تجنب الإنصات له، وصرف انتباهها لأمور أخرى حتى تعتاد تجاهله، بينما يعزله المخ في الذاكرة السمعية غير الحاضرة.

سألتها مقدمة البرنامج: هل أخذت بالنصيحة؟ فقالت: في البداية.. نعم، غير أن الأمر كان مرهقاً ومحرجاً أمام الآخرين، بدوت كالمجنونة بينما أسمع ما لا يسمعون -قالتها وضحكت عالياً- أما الآن فكلما سمعت صوتاً جديداً سألت من حولي، هل تسمعون ما أسمع؟ فإن أجابوا بنعم فهذا جيد، وإن قالوا: لا.. تجاهلته
وصرفت عقلي بعيداً!

هل تسمعون ما أسمع؟ اختصرت السيدة بسؤالها هذا أهم فصول حكايتنا مع الحياة!

تصرفها جاء موافقاً لسلوك أغلب البشر، هذا الذي يتحمس للجديد ويتوجس منه، يخشى الخروج عن المألوف، أو كسر القواعد، وينشد قبول المجتمع. فيروض أفكاره وسلوكه له، ثم سرعان ما يبدأ بالدفاع عن هذه الأفكار والسلوكيات، دون أن يسمح لنفسه بمراجعتها وفق نصيحة الطبيبين البسيطة!
حتى إذا ما سمع يوماً ما لا يسمعه الآخرون، أو حدثته نفسه بجديد لم يألفه، أسرع يحتمي من أفكاره بافكار المجتمع، وأنكر الصوت مبعداً إياه لأقصى جوانب الذاكرة المنسية. ثم يصبح بعضاً من هذا المجتمع الذي يروض الآخرين له، في دائرة مفرغة ضيقة بلا نهاية.

بينما نصيحة الطبيبين شابهت نهجهما العلمي في تفسير الأمور، ذلك النهج الذي أوصلهما بعد سنوات من البحث والتجربة والإخفاق إلى ابتكارٍ جديد فتح أمام هذه السيدة ومن سيأتي بعدها بوابة الحاسة المغلقة..

الطبيبان في رأيي، وهما أكبر سنًّا من معظم الحضور ما زالا يمتلكان هذا الجزء الأهم من فطرتنا، ما زالت تحركهما روح الطفل وشغفه، فكان أن نجحا في ترويض مواد العالم لعقليهما، لا أن يُصبحا تابعين لقوانين تتغير بأهواء البشر وتقلب غرائزهم، فبدت لهما المعادلة بسيطة (أنصت جيداً، اكتشف، حلل، قيم، تجاهل ما لا قيمة له، واعتنِ بما استحق قيمته).

نعم.. نحن نولد وفي فطرتنا أدوات العلم. حقيقة لا يُستثنى منها أحد، مهما كان محل ميلاده، أو كانت الظروف التي أبصر النور فيها. نولد ومفردات البحث العلمي تلازمنا.. ننتبه.. نسجل الملاحظات.. ونبتكر الحلول لنكتشف هذا العالم العجيب من حولنا.

يكسر الطفل لعبته ليعرف مصدر الصوت أو الضوء فيها، أو ليعرف كيف تتحرك. تحذره مراراً وتكراراً من الاقتراب أو ملامسة شيء ما، فما أن تغفل عنه حتى ينطلق نحو العالم المُحرَم. يبكي ألماً حين تلسعه النار، وقبلها كان يبكي شغفاً لاكتشاف هذا الوهج! يقدر المسافات وتدريجيًّا يجد حلاًّ لبلوغ ما لم تطله يداه! نضع العراقيل أمامه فيبتكر الحلول، وفي كل مرة ينجح فيها يبتهج ويحتفي باكتشافاته الصغيرة، حتى ولو كنا نحن الكبار نستشيط غضباً من نتائجها!
بل إنه يبدأ مبكراً في تحليل شخصيات من حوله ووضع إستراتيجيته للتعامل، فيلجأ للبكاء والصراخ لنيل ما يُريد مع طرف، وللدلال والابتسام مع طرف آخر.

نحن نتعلم التفكير المنطقي، الحساب، البحث، والتحليل وكل مفردات العلم السليمة، قبل أن نتعلم اللغة، أو التعبير عن أفكارنا وعواطفنا، أو نطق الأحرف وكتابة أسمائنا. حتي يلعب المجتمع دوره في تحفيز العالِم داخلنا أو تقييده..

فإن اختار تقييده، انتقلنا لسؤال السيدة الأخير (هل تسمعون ما أسمع؟) وقد تسلم الآخرون دفة حياتنا، فنبحر معهم متجنبين مواجهتهم في ساحة الاختلاف.

نصيحة الطبيبين قابلة للتطبيق حتى في العلاقات الإنسانية والاجتماعية، فأغلب مشكلات البشر تأتي من تجاهل الإصغاء لأسبابها، أو من الإصغاء لتوافه الأمور التي تشوش العقل، أو إهمال تقييم المواقف بعدل قبل اتخاذ القرار المناسب، فيقفزون بالعلاقات إلى خط النهاية، ليكتشفوا بعد فوات الأوان أنه خطٌّ زائف، وأن الطريق أطول من حدود البصر، مرهق صحيح، لكنه ممتع لا ترى معالمه إلا عين البصيرة.

لا عيب أبداً أن تسمع ما لا يسمعه الآخرون، أو تبصر ما لا يبصرون، لا عيب أن ترفض فكرهم تارة، أو يعجزوا هم عن ملاحقة أفكارك تارة أخرى.. فهذا ما يميزك.

لا عيب أن تتبع شغف الطفل فتُبحر يوماً عكس تيار النهر ورياحه، وترى مناطق جديدة فوتها الآخرون
وإن اتهموك بالجنون.. فكل البدايات غريبة في زمانها، يصنعها من يجرؤ على اتخاذ الخطوة الأولى
ويقدر على تحمل مشقة الخطوات اللاحقة.

إنما العيب.. أن تخشى إرهاق الطريق قبل أن تبدأه، أو تستسلم بسهولة لعوائقه، أو تفزع لسيرك فيه

وحيداً، أو لقلة سالكيه، أو تمضي فيه بغير زاد من معرفة تستعين بها على جفاف أوله، أو سلاح يعينك على خوض معاركه، أو شجاعة تعينك على العودة إن تبين لك أنه لا يُفضي لجديد، دون أن يدفعك خطأ التجربة لتسليم الدفة لمن يديرها كيف يشاء.

قال رجل للإمام الشافعي (أوصني)
فقال الإمام: خلقك الله حرًّا. فكن كما خلقك..

نعم.. كن كما خلقك.. فالكون كله باختلاف دروبه يدور في فلك إله واحد، وصوته سبحانه
وتعالى يصحبك أينما كنت.
هذا وحده الصوت الذي لا ينبغي لك تجاهله.. أما ما دونه! فلا بأس أبداً.. إن لم يسمعه الآخرون.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.