المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله العقباوي Headshot

الهوى هوانا.. و هواؤنا أيضاً!

تم النشر: تم التحديث:

في عام (2008)، خلال الحرب الصهيونية على قطاع غزة، كان المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية يعقد كل يوم مؤتمراً صحفياً يستعرض فيه الخسائر البشرية من الشهداء، والمصابين جراء القصف.
في أحد الأيام، خرج المتحدث بتقرير فريد من نوعه، استعرض فيه أعداد الحالات التي تم رصدها لإصابات بأمراضٍ نتيجة تلوث المياه، و تدمير بنية الصرف الصحي، دون أن يتطرق للإصابات جراء القصف رغم فظاعته!.

لا أذكر تحديداً أسماء الأمراض التي ذكرها في تقريره، لكن مغزى ذلك اتضح للجميع أخيراً حين ختم المؤتمر قائلاً: وأنا أوجه حديثي لوزير صحة العدو، أغلقتم المعابر ومنعتم دخول المساعدات الطبية للقطاع بما فيها لقاحات الأطفال، إنما أسأل أصغر طبيب عندك، كيف يمكن للمعابر المغلقة أن تحمي أطفالكم في مستوطنات لا تبعد عنا بضعة كيلومترات؟، بل كيف لها أن تمنع العدوى من الانتقال إلى قلب تل أبيب؟. أولادنا في كل الأحوال يموتون "فخلاص بدناش لقاحات و لا مساعدات طبية" ولتستمروا في سياسة غلق المعابر.... الخ.

صاح صوتٌ في الخلفية محدثاً نفسه أو ربما محدثاً زميله، إنما كان كلامه واضحاً حيث المؤتمر يُذاع مباشرة على الشاشات: "مضبوط، فليغلقوا المعابر، و الله يخليلنا الهوا"!.

رسالة المتحدث الطبي وصلت، وفتح الكيان الصهيوني المعابر أمام بعض المساعدات الطبية باحثاً عن أي مبرر واهٍ لاستجابته غير الاستسلام للخوف. ثم كان من أمر غزة بعدها ما كان، إنما يبدو أن عبارة أخينا العفوية كُتب لها النجاة من براثن الحرب.

آه يا سيدي قائل العبارة المجهول. ليتك نطقتها بعربية فُصحى لا بالعامية، ليتك قلت "حفظ الله لنا الهواء"، ليتك شددت نطق الهمزة لأن ما حدث بعد ذلك، وما فهمه العالم من جملتك لا علاقة له بما أردته حقاً.
في السنوات اللاحقة -كما تعلم- تغيرت الأوضاع السياسية، وسادت الاضطرابات، وبدأت الثورات، وشُنت الحروب، وكان لمنطقتنا العربية النصيب الأوفر من كل ذلك، إنما النار انتشرت في هشيم العالم مثلنا أيضاً. وأُغلقت المعابر، وبات "الهوى" سيد الموقف، و صاحب القرار الأقوى تأثيراً!.

بالتأكيد أنت لا تظُنني أُحدثك عن "هوىً" يُشبه ما كان بين قيس وليلى ولا ما كان ساحة للشعراء، وواحة للمحبين، وأرضاً للروايات الحالمة الخالدة، ولا أغنية عاشق في ساحة تاج محل!.
لم يعزف العالم في السنوات اللاحقة لعبارتك مقطوعة "قصة حُب"، ولا تبادلنا الأدوار على مسرح أحداثه، تارة نلعب دور "روميو" و تارة نتهادى كـ "جوليت"!

عموماً، حتى لو أدى العالم هذه المسرحية باحتراف، فالنهاية لن تختلف كثيراً عما وصلنا إليه!، "الأبطال" يموتون في آخر المطاف، أو نقتلهم بعجزنا، أو ينتحرون على عتبات ذُلنا ينشدون حرية ما وجدوها في عالمنا. و يعيش من عاش بعدهم المأساة رهن الندم، والحزن، و الخوف والجنون.. كانت فقط ستكون نهاية أقل صخباً ورُعباً مما نحن فيه !!.

ليتك يا سيدي نطقتها بالفُصحى، ليتك قلت "حفظ الله لنا الهواء" وشددت نطق الهمزة، فعبارتك الشاردة كُتب لها الحياة، وباتت كبالون ضخم بحجم العالم نملؤه بـ "الهوى" لا "الهواء"، حتى إذا ما انفجر صم آذاننا، وأغلقنا من هول الفزع أعيننا، وما رأينا المعابر فبتنا لا نسمع ولا نرى!
كل شيء بات يقوده "هوى النفس"، لا يستقر العالم على حالٍ، قرارات تُتخذ وأخرى لا ترى النور، وكل شيء يسير وفق الهوى، فلا ضوابط، لا قوانين، ولا حدود، لكنهم يرددون دائماً أن خلف الأحكام "حكمة" و أن علينا أن نؤمن بهذه الحكمة الخفية، أو تلك التي لم تولد بعد!!. ولهوى في نفوسنا نصدقهم!. والأغرب أننا نتبارى في الدفاع عن الحكمة العظيمة التي حقاً لا نعرف مُبتداها ومنتهاها، ونشن الحروب بيننا مفتونين بروعة حكمة لا ملامح لها!.. إنه الهوى.. وما أدراك يا سيدي ما الهوى، وكم من الجراثيم الفتاكة يتطوع لحملها، و كم من داء يسهل عليه نشره، وكم من روح لا يعبأ بإزهاقها، وكم من مدن يسويها بالأرض، وكم من فتن يُذكى نارها.. إنه كما الطاعون.

إنما على صعيد آخر، دعني أصدُقك القول، حتى لو كنت نطقتها بالفُصحى، فما كان ذلك ليُغير من الأمر شيئاً. إذ ضل المعنى طريقه ليستقر في "هواء" آخر، لا علاقة له بذلك الذي كان يُقاتل في صف غزة وقتها مهدداً سكان الكيان بالمرض والموت. التقط عبارتك "هواء" آخر، هو ذاته أصبح شريكاً في صنع المآسي، فاتحاً للهوى نوافذ الهواء ليصبح هوانا هواؤنا !

سماء مفتوحة، وفضاء يرتع فيه بلا ضوابط بثُ مفتوح، أصبح سلاحاً موجهاً لصدورنا نحن، وناراً تحرق من تطاله منا بلا تمييز. هواء يدعي المهنية والموضوعية بينما يبث سمومه، ينشر فيروسات الكراهية، التشفي، والتخلف.. يُحرض على القتل ويبرر للقهر وينادي بعدالة الظُلم، ويهتف باسم هوىً لا يقبل الاختلاف، و يرى "الرحمة لا تتجزأ" إن طال الظُلم ذلك الفريق الذي يشبهه، لكن لا بأس بنسفها نسفاً إن طال من يُنكره!. الكراهية عنده تتنافى تماماً مع الانسانية، والدين وحب الله إن أصاب سيفها رقاب أهله وخاصته، إنما لا بأس بها، بل وقد يزعم شيخٌ معمم أنها في صميم رضا الله إن توجه نصلها إلى صدر آخر يؤمن بالله مثله، لكنه لا يجاوره في نفس الصف! وهو أيضاً لا يستحي من الاندهاش حتى البله إذا ما أصابت فيروساته معسكره، وارتدت إلى صدور من إليهم ينتمي!

عزيزي المُتحدث على الهواء نافثاً حقده، أما أخبروك أن الفيروسات كائنات مُحايدة؟ تقريباً هي الكائنات الوحيدة التي ما زالت تقف بصدق على مسافة واحدة من جميع الأطراف! وتضرب كل الأطراف متى أُطلق سراحها بلا استثناء ولا محاباة! ولا تُفرق بين فريقك و الفريق المقابل.
أما أخبروك أن كثيرا منها لا لقاح له يقيك بطشها؟ خصوصاً تلك التي يحملها "هواؤك" عبر الأثير؟. منذ بدء البشرية وحتى يومنا هذا لم ينجح الطب في إيجاد ترياق لها، منذ جريمة قابيل الأولى وهذه الفيروسات الفتاكة لا تموت ولا تضعف، وتُستحدث من العدم! من مصادر مثلك "عدمت" العقل، والعلم، والحكمة، والأخلاق والإنسانية. مصادر تكون في البدء حاضناً لها يرعاها و يُطلقها في الهواء، ثم لا تلبث بعد دورة في الأفلاك ما بين تحطيم، وإفساد وقتل، أن تعود بكل قوتها فترتد إلى صدور المصادر ذاتها وتقتلها، وقد وجدت لها حاضناً آخر في بُقعة أُخرى من العالم.

على كُلٍ، التاريخ أثبت أن فتح المعابر أكبر من فهم الكيان الصهيوني المحدود، وأقل أنانية أيضاً.
التاريخ أثبت أن فتح المعابر كان أنفع للحياة وأحفظ لتوازنها من إغلاقها.
التاريخ أثبت أن المعابر كانت السبيل لانتقال الحضارات، وتطور العلوم والآداب، واتساع الثقافات، وبناء مجتمعات قوية رغم كل السلبيات التي تشق طريقها خفية عبرها.

التاريخ أثبت أن أقوى المعابر المفتوحة تأثيراً في البشرية، تلك التي حدودها العقل وساحاتها النفس والفكر.
و أن جماعة تسكن قلاعاً حصينة، وتملك عتاداً عسكرياً متينا، يُغلق أعضاؤها معابرهم أمام بعضهم البعض، تنهار قلاعها، و يفسد عتادها، وتصبح فريسة سائغة لأول عابر سبيل. وأن عقلاً واحداً، تسكنه نفسٌ هواها محكوم بقوانين خالقها لأقدر على منح الحياة قيمتها، و تحصينها بكل ترياق يصون معانيها ويحفظ توازنها.

الحاضر أثبت أننا نخسر معاركنا أمام المعابر المغلقة. فمعابر الفكر والعقل بل والإنسانية المغلقة، تفتح بالمقابل معابر بلا ضوابط "للهوى" لتسود لا منطقيته، و يصبح القانون قانونه، ويُصبح هو القاضي والجلاد.

و إلى أن يُدرك العالم خطأ فهمه للعبارة الشاردة لرجل مجهول، بعد أن يدفع ثمنه غالياً، وندفعه نحن أيضاً مضطرين.. دعنا إذن نبدأ من ساحة الخلق الأولى، دعنا نفتح معابرنا لبعضنا البعض بشكل منفرد، لا بأس من وضع بعض الضوابط المتوافقة مع الفطرة الإلهية عليها، إنما لنفتحها. دعنا لا نُمكن هوى نفوسنا منا، ولا نُسلم عقولنا لهواءٍ بلا أخلاق ولا نصُم آذاننا عن الحق وقد بلغنا نداؤه.. دعنا نخط خطواتنا بثبات مهما ضاق بنا الطريق ونترك آثارها لجيل قادم يتبعها، فلعله يُصحح ما حاد من المسار فينجو، حتى ولو لم يطل بنا العمر حتى نُشاركه تلك اللحظة.. فقط دعنا نبدأ.

أرجوكم افتحوا المعابر، ولندع الله سوياً أن يكفنا شر الهوى.. والهواء أيضاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.