المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله العقباوي Headshot

بل هي عيناك .. يا غادة

تم النشر: تم التحديث:

وجه "غادة" كان أول الوجوه التي شدت انتباهي في مدرستي الجديدة، تكبرني بعامين دراسيين، حباها الله بوجه مشرق ذي ملامح جذابة تحسدها عليه الجميلات، لها صوت قوي واضح النبرات والحروف، فيه بحة خفيفة محببة، تراها دائماً تسير في جنبات المدرسة بخطى واثقة جادة.

في أحد الأيام، دخلت "غادة" فصلي في فترة الدقائق الفاصلة بين حصة انتهت وأخرى ستبدأ وقد لفت عنقها بكوفية فلسطينية كتلك التي اشتهر بها الرئيس الراحل "ياسر عرفات"، طرقت الباب طرقات متتالية حازمة ليهدأ الجميع ويعم الصمت للحظات، قبل أن تقول بصوت قوي وكلمات سريعة واضحة:
- اليوم هو التاسع والعشرون من شهر أكتوبر، وفي مثل هذا اليوم عام 1956، وقعت مذبحة "كفر قاسم"، التي نفذها الصهاينة ضد المدنيين العزل في قرية كفر قاسم في فلسطين المحتلة.. لا تنسوا هذا أبداً يا شباب".
ثم خرجت لتتجه سريعاً إلى حجرة دراسة أخرى مكررة نفس البيان!

بطرقات كدقات ساعة تستأذن قبل أن تخرجنا "غادة" في مناسبات كثيرة من عالمنا الضيق الذي نظنه آمناً إلى عالم أكبر نحن جزء منه شئنا هذا أم أبينا، يوم الأرض، مذبحة بحر البقر، مذبحة دير ياسين، ذكرى النكبة، حريق المسجد الأقصى.. الخ، حتى بتنا نعرف مع انتظام طابور الصباح أن اليوم يوافق إحدى جرائم إسرائيل ضد العرب بمجرد رؤية الكوفية على كتفي "غادة"، أحياناً كنت أستعجل الأمر فأتوجه إليها مباشرة لأسألها عمّا حدث في مثل هذا اليوم، فتنطلق تحكي تفاصيل مأساة أو سيرة بطل بملامح وجه معبرة تتفاعل قسماته مع الأحداث التي ترويها.

غادة جعلت من نفسها "ساعة للتاريخ" يأتينا صوت دقاتها من ماضٍ بعيد وقريب، ينبهنا أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا بأيدينا، فإن سكتنا ونسينا.. جاءت صور الماضي واقعاً في جنين وخان يونس وغزة، وإن علا صوتنا في وجه الظلم.. أي ظلم.. تنبعث عزيمة الماضي المدفونة بين طيات سجلات التاريخ ثائرة وتأتينا صور النصر القديمة ذات اللونين الأبيض والأسود بألوان الحاضر.. لنرى نفس الوجوه تحمل نفس ملامح النصر وآماله.

سألتها ذات مرة: من أي المدن أنت؟ قالت من فلسطين! قلت: من أين تحديداً؟ قالت من الضفة من فلسطين! سألتها عن المدينة فأجابتني بالوطن !

ولسبب ما لم يعجب مديرة المدرسة ما تفعله غادة، لعلها عبرت عن ضيقها في لحظة مزاجية عابرة، غير أن من حولها التقط اللحظة وعمل على تغذيتها بصورة جعلت أي تراجع من قبلها عار ما بعده عار!

وعلى سبيل المجاملة ظهر تحالف قوى الشر من طاقم التدريس، لتبدأ حرب غير متكافئة ومخجلة بينهم وبين "الثائرة الصغيرة". رأيت في ذلك العمر المبكر كيف يُصنع الديكتاتور، ولماذا تبدأ الحروب من لا شيء، بل ورأيت كيف تتشكل الأحزاب على أسس لا علاقة لها بالسياسة أو الأيديولوجية!

بدأت المناوشات العابرة مع "غادة"، وتصيد الفرص لعقابها ومضايقتها، فتارة تجدها مطرودة من فصلها واقفة أمام بابه ليراها الجميع! والحجة "طولة لسان"! وتارة أخرى بحجة تأخرها عن موعد بداية الحصة، حتى ولو كان تأخراً مسموحاً به في غالب الأحوال.

أما البعض الآخر فقد اختار أسلوب السخرية وهي سخرية بدت لي بناءة، مثل "أتحسبين نفسك مناضلة؟ أتظنين نفسك جميلة بوحريد؟!" لأبدأ أنا بسؤال والديّ عن من تكون جميلة بوحريد؟ فيقود الحديث عن نضالها ضد الاستعمار الفرنسي قطار التاريخ ليأخذنا إلى نضال المصريين ضد الإنجليز وأحداث كدنشواي، وبطولات عمر المختار في ليبيا و.. و.. و..

ربما تمثل مأزق الإدارة الحقيقي في أن "غادة" طالبة متفوقة، دمثة الخلق، منضبطة، ما رشحها لتكون طالبة مثالية، إضافة إلى قوة حجتها ووضوح منطقها، ما جعل اصطياد الهفوات لها أمراً مفضوحاً ومخجلاً بكل تأكيد.

ذات يوم جاءني صوتها من غرفة الإدارة عالياً عندما نُهيت عن الحديث بدعوى "ممنوع الكلام في السياسة": أنا لا أتحدث في السياسة.. أنا أتحدث عن التاريخ.. هناك تاريخ ندرسه وآخر لا ندرسه ولا نعرفه.. لكنه يبقى تاريخ!

أخيراً انتهت المعركة باستدعاء ولي أمر "الثائرة الجميلة" والتهديد بعقوبات شديدة إذا عادت لذلك، مع التأكيد على ضرورة عدم ارتداء الكوفية الفلسطينية لما في ذلك من مخالفة للزيّ المدرسي!

امتثلت غادة للأمر وخلعت الكوفية عدة أيام.. غابت بعدها فترة طويلة عن المدرسة قبل أن تعود أضعف جسداً وأكثر حزناً. أين كنت يا غادة؟! كنت مريضة.. "صوتي" راح.. هل كان المرض حقاً هو الذي ذهب بصوتها، الصوت الذي طالما تدثر بكوفيتها الأثيرة؟! أم كان هذا بفعل تيار بارد النفس، متجمد الأفكار، محدود الأفق، نفخته السُـلطة بقوة في الوجه الثائر فأسكتته؟

على كل.. لم تمض فترة طويلة حتى عادت "الكوفية" للظهور! هذه المرة بين يدي "غادة"، بدت كالسلاح، والثائرة الصغيرة كما الجندي الذي لا يتخلى عن سلاحه. لفـّـت غادة كتبها داخل الكوفية على شكل "صُرة" وأتت تحملها بديلاً عن الحقيبة المدرسية! وعندما سُئلت ردت بجدية وهدوء: الحقيبة تمزقت، وللأسف لا أستطيع شراء بديل لها هذا العام، ثم أردفت لتقطع على مُحدثتها أي سبيل للسخرية: هكذا نحن، ندخر أفضل ما نملك.. وأغلى ذكرياتنا.. وأحلى أحلامنا.. وكل طموحاتنا.. لوطن سنسترده حتماً ونبنيه.

عند هذه النقطة.. توقفت الحرب العجيبة، ربما اقتنعت إدارة المدرسة بعبثية هذه المعركة، أو ربما اقتنعت بحق "غادة" في ملاحقة التاريخ، وربما لأنه لم يبق سوى القليل على نهاية العام الدراسي، تنتقل بعدها غادة للمرحلة الثانوية في مدرسة أخرى.

لم أرك يا عزيزتي بعد ذلك اليوم، لكن قصتك لم تنته بعد. كبرت يا غادة وصورتك لا تزال عالقة بذهني، أصبحتُ كما قلت شاهداً على ما سيذكره الأبناء يوماً كتاريخ، أصبحتُ جزءاً من يوميات مذابح كتلك التي طالما حكيت تفاصيلها كأنك شاهد عيان نجا منها بأعجوبة!

ذات يوم قالت لي صديقة: هل تريدين حقاً أن تعرفي حال القضية الفلسطينية وإلى أين وصلت؟ أنظري إلى وجه "عرفات" إلى عينيه ففيهما بيان القضية!

قلت مستغربة: عرفات!.. لكنه وجه عجوز لرجل مريض! وجه رسم عليه الزمن خطوط المواجهة وحطام الغربة وندوب الهموم؟ أجابت بحزن وهي تشيح بوجهها متجنبة التقاء نظراتنا: كذلك هي القضية!

لا أدري لماذا هزتني كلماتها؟ ربما لأن صديقتي تلك لم تظهر يوماً اهتماماً بالسياسة، لم تتلوث بها، فبدا لي تصريحها عين الحكمة!

لم أمنع نفسي بعدها يا "غادة" من ترقب خطى القضية على وجه عرفات وهو محاصر، وهو مريض، وهو ضعيف، ثم يحتضر فيموت.

وحين استبدلت وجهه بوجه أيقونة انتفاضة الأقصى "محمد الدرة" رأيت وجه طفل مذعور يحتمي بيأس خلف أب حنون عاجز عن رد الموت عن نفسه وعنه! فتساءلت بأسى: أهكذا أصبحت القضية حق يحتمي بشعوب عاجزة؟ ولم أعرف الإجابة.

حتى عاد الوضع هذه الأيام للاشتعال في الأراضي المحتلة، فجاءتني عيناك يا "غادة" من أقصى العمر تسعى، تقول لي إن الكل يأتمرون بالقضية إلا من رحم ربي، تقول لي إن يأسي مؤامرة : فاحذري مما تفكرين!

جاءتني تسعى ومن خلفها وجهك المتقد بحمرة الغضب وملامحه الحادة تصد السنين عنه، وصوتك القوي لا تزال البحة المميزة تمسك بحروفه الهاربة.

أنا يا "غادة" أنسى الوجوه سريعاً، فكيف هزمت النسيان فلم يغب وجهك بين الوجوه؟ وكيف ما زلت أتذكر تفاصيله؟ حاولت لما رأيته أن أرسم عليه خطوطاً كتلك التي رسمها الزمن على وجهي فلم أستطع؟ ولن أستطيع.. فأنت هي القضية، وتلك الوجوه الثائرة في الأقصى تشبهك يا صديقتي كأنهم بعض منك، تلك العيون المتقدة بالعزم تشبهك يا غادة، فأنى لخطوط الزمن أن تتراقص على وجهك، وكيف للخوف أن يهيل ركام العمر على روحك؟ سترده عيناك حتماً، ففيهما كل القضية والخوف من الثوار يخاف!

طبت يا غادة على أي أرض كنت وطابت وجوه القضية، وإن كنت لا تذكرينني، فأنا لن أنساك، فمازالت عيناك ترسمان لي دروب النصر، وما زالت دقات يدك تبحر بي في التاريخ تلطمني أمواجه.. وسيبقى صوتك دائماً يأتيني من أقصى القلب: (هكذا نحن، ندخر أفضل ما نملك.. وأغلى ذكرياتنا.. وأحلى أحلامنا.. وكل طموحاتنا.. لوطن سنسترده حتماً ونبنيه).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.