المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حازم حسن عكاشة Headshot

بدايات

تم النشر: تم التحديث:

في تلك الفترة من حياتي كنت كبِركة يابسة من المياه، وككل بركة يابسة لم يكن هناك أي جديد أو مثير في حياتي، كنت أنتظر ذلك الحجر الذي يلقى في حياتي ليثيرها، ويحركها، ويجعلها غير مملة.

ولكني كنت بِركة مياه في أرض خاوية حتى إنها كانت خاوية من ذلك الحجر.

بدأت أقتنع بأنني بائس، كنت أقولها مراراً وتكراراً بغرض المزاح، ولكن النهاية الشاعرية أن يصاب البطل بما كان يمزح به طوال الوقت.

أتذكر تلك القصة عن ذلك الصبي الذي كان يمزح ويكذب كل يوم بوجود ذئاب حتى عرف الناس أنه كاذب، ولكنه في النهاية هجم عليه ذئب حقيقي وأكل أغنامه.
يا لَسخرية القدر!

أتعلم يا صديقي أنني رغم صغر سني التي لم تبلغ السادسة عشرة فإنني بائس.
أعلم أنك ستقول لي إنني لست بائساً وهناك حولنا على تلك الأرض المزرية مَن هم أشد بؤساً هناك من يتغنى لهم الصعاب قصائد هناك أولئك الناس الذين تتعجب كيف حُملوا كل تلك الهموم وما زالوا قادرين على العيش.

لكنك صديق خيالي.. أنا صنعتك فقط كي تستمع وتنصت جيداً إليَّ؛ كي تواسيني في أوقات سقوطي، كي تملأ الدنيا بهجة عليَّ في أوقات فراغي، كي تكون سنداً عندما تخلى الجميع عني.. جل ما أريده منك هو أن تكون صديقاً.

سحقاً لعالم أهرب فيه إلى مخيلتي؛ كي أجد ذلك الصديق الذي أريد، ذلك الصديق الذي يضحك على نكاتي، والذي يخبرني أنه يحتاجني.

أتعلم ربما تقول إنني معقد نفسياً، أو أشعر بنقص في الاهتمام، ذلك النقص الذي لم يراعِه أهلي في تربيتي، وأسهمَ فيه عدم وجود أصدقاء طفولتي.

ربما أنت محِق.. حسناً أنت محِق، ولكن كل منا لديه ذلك التشوه النفسي الذي يحاول إخفاءه عن الجميع، يحاول أن ينخرط في مجتمع مليء بالأكاذيب.

كل فرد في المجتمع يحاول أن يبدو جيداً عن طريق الكذب؛ حتى يبدو مثل الآخرين، ولا يعلم أن الآخرين جميعهم يكذبون حتى يظهروا مثله.

الأمر يا صديقي أكثر من مضحك، إنها دائرة مغلقة علينا جميعاً، وإذا حاول أحدهم يوماً ما أن يكسر الدائرة ويفسد النظام، سيهبّ الجميع عليه ليقاتلوه كزنديق كافر جاء ليشككهم في إيمانهم.

نعم إن الإيمان ليس مجرد إيمان بدين أو عقيدة، الإيمان بتلك المعتقدات التي تربينا عليها دون فهمها ودون أن ندري لماذا نفعل ذلك.

كل ما نفهمه أننا وُلدنا فوجدنا تلك العادات التي تقتضي أن تكون شخصاً طبيعياً حتى لا تكون غريباً عن المجتمع، مع أن الدنيا تطلب منا أن نكون غرباء، فالعالم لم يعد يحتاج إلى المزيد من النسخ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.