المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حياة بن بادة Headshot

ارفع رأسك فوق.. أنت مصري

تم النشر: تم التحديث:

سجدت الطائرة في مطار القاهرة الدولي المزدحم أخيراً، كأنّ سكان الأرض كلّهم عادوا إلى الأمّ.

وأخذ ينصت إلى الصوت المصري بإتقان، في هذه المرّة لا شيء يشوبه، هو صوت مصري خالص رغم أن المطار مكتظّ بالأجانب.

فضّل أن يستقلّ إحدى سيارات الأجرة ليسلّم على البلد بطريقته الخاصة، صافحه السائق وضمّه بخفّة كأني به فرد من أفراد أسرته الذي لم يغِب عنه إلا لبضعة أيّام وطبطب على كتفه برفق قائلاً: "ارفع راسك فوق، انت مصري" فهو يعلم معنى الحنين للوطن جيّداً رغم أنه لم يتخطّ حدوده يوماً.

كان سائق السيارة المرح هذا يتعمّد في كلّ مرّة دغدغة مشاعر المهاجرين العائدين إلى الوطن، وهو الذي لم يغادره قطّ، فيدير مذياعه على صوت مغنيّة ينوح. ويكسر عادة الثرثرة لدى سائقي سيّارات الأجرة بالصمت، لم يكن يجد ترحيباً أجمل من شريط يستفز مآقي مهاجر ويمرّ عبره كالدورة الدموية يردّد:

"كلمة حلوة وكلمتين حلوة يا بلدي.. غنوة حلوة وغنوتين حلوة يا بلدي.. أملي دايماً كان يا بلدي إني أرجع ليك يا بلدي.. وأفضل دايماً جنبك على طول.. وذكريات كل اللي فات فاكرة يا بلدي.. قلبي مليان بحكايات فاكرة يا بلدي.. أول حب كان في بلدي مش ممكن أنساه يا بلدي.. فين أيام زمان قبل الوداع.. كنا بنقول إني الفراق ده مستحيل.. وكل دمعة على الخدين كانت بتسيل".

إنّها مصر، أمّ الدنيا التي لطالما استأثر بها، هي أمّه هو وحبّه هو والحضن الذي لطالما بدا خالياً منه على مدار الغربة.

يذوب في غروب القاهرة كما تذوب في روحه الذكريات، تجوبه من عصر الإسكندر الأكبر إلى عهد بطليموس، تنقله تدريجياً من زمن الرومان إلى جميع العصور التي تلته لتستقرّ به في الميدان.

في ميدان التحرير تتحرّر دموعه من سجن مقلتيه، إنّه على خلاف الميدان لا يستطيع الصمود أمام الذكريات، إنه لا يستطيع أن يظلّ حرّاً، فكلّ ما في الميدان يقيّده ليتفجّر باكياً ويطلق العنان لشهقاته.

ثقيل على النفس أن تشاهد رجلاً يبكي ولست أدري أمضحك أم محزن أن يتفجر معه سائق سيارة الأجرة باكياً وهو الذي لم يفطم نفسه عنها إلى اليوم؟!

وفي الحقيقة إن ذلك السائق يحاول يومياً أن ينجو من الفطام بالتردّد على المطار ومرافقة المسافرين، لقد امتنع ألف مرّة عن السفر وكلّما حجز تذكرة رحيل أغمي على قلبه فيضطره الشوق إلى ردّها لنفسه بالكفّ عن محاولات تفكيكه منها، هو لا يريد مكاناً غيرها، مصر.

ولأجل ذلك الحبّ يمزج الحزن بوهم الرحيل وحبّ البقاء لا لشيء إلّا ليبقى.

في مصر كلّ شيء -أخذ يقول- عدا أفراحها لم تعد تعمر وجهها الفاتن.

هي مقيّدة في السجون، مكتّفة في المقابر، مكتومة في المحاكم، مزوّرة في وسائل الإعلام، مغرّبة في الموانئ، ومشرّدة في الشوارع، لا قلب يراها عدا القلوب المتشابهة بكسورها، ولهذا أتجوّل بنفسي فيها بين المطار وشقتي أوهم نفسي أنّني مغادرها، فأجدني قد عدت إليها لتجتمع جميع أفراحها في قلبي بمجرّد أن أربط روحي في حائط عينيها مساء.

ما يهمني هو أن يشرق الصباح فأفتح عينيّ على وجهها العاري حزناً، وأرمي عليه أفراح قلبي كلّها لأراها واهماً فرحي، المطار لوحده كان وما زال يعني لي ما وراء الحدود وما خلف النيل.

في مصر الناس كصناديق المجوهرات، تطير فرحاً لدى مقابلتهم، تعجب بهم، تحبّهم بسهولة، لكنّهم لا يعرضون أحزانهم على غلافها، وهم لا يمانعون إن حاولت الكشف عنها في داخلهم، ستجد قهراً كبيراً، وروداً ذابلة، مظاريف بريدية مصفرّة الوجه، ضحكات باكية، صوتاً مكتوماً، شوقاً محبوساً، آمالاً مرقّعة، آثار وداع كئيب، قطرات دمع صامتة، وعزاء يحاول في كلّ يوم ألّا يتمدّد، تتخلله ترنيمة تتكرر بحزن وتنادي بصوت هادئ متقطع وأحياناً محتضر: "ارفع راسك فوق انت مصري" لتصبّرهم، ومع ذلك يحاولون يومياً التقاط أنفاس الوطن.

في مصر هذه السنة نُحيي ذكرى الثورة بالبكاء عليها، لا لأنها ضاعت فهي لم تضِع لكنّ العذاب لا يزال يأخذ وقتاً مستقطعاً وهو يرقص بصخب على أناملها، وأخاف أن يطال أرواح الشهداء الجاثية على شواهد القبور فقد خلّفت هناك أحبّتي، أخاف أن يمتدّ نوح المساجين إليها، أخاف أن يمتدّ أنين المساكين إليها، أخاف أن ينغّص ضجيج الطاغوت نومها.

في مصر هذه السنة يتسابق الطاغوت مجدّداً مع نفسه نحو السلطة، وتتسابق الهموم مع بعضها نحو المساكين، ويتسابق الإعدام مع نفسه نحو المساجين، ويتسابق الفقر مع نفسه نحو الأحياء، ويتسابق الكذب مع نفسه نحو الجرائد والشاشات والذبذبات الصوتية، ويتسابق الظلم مع نفسه نحو المضطَهَدين، لكنّنا سنلغي هذا الماراثون ونعانق ميدان التحرير مجدّداً.

كان الشريط يدور:
قول يا حبيبي انت سايبني ورايح فين
اجمل لحن ده هنغنيه إحنا الاتنين

ردّ العائد بهدوء قائلاً: "مش حسيبك" وأخذ يمرّر شريط الأمس الذي لم تضبّبه سنوات الفراق. يتذكر هتافاً حزيناً غاضباً متعَباً "ما تعبناش ما تعبناش، الحرية مش ببلاش"، تزوره صرخة أخرى موحدة تنادي: "مصر يا أم، ولادك أهمّ، دول علشانك شالوا الهمّ، دول يفدوكي بروح ودم".

يقلّب عينَيه في الأرجاء، لا يزال المتحف المصري واقفاً كشجرة ميتة شمال الميدان، وليته يتّسع أيضاً لقلب مهاجر تثرثر فيه الذكريات، لا يزال شارع البستان حيّاً رغم سباق الموت، يتحايل الناس عليه بالتسوّق، لا يزال مجمع التحرير مبحراً على أمواج الماضي وزحمة الحاضر، ولا يزال مسجد عمر مكرم شامخاً ولست أدري إن كان سعيداً وكم عزاء تحمّل.

ولا تزال دماء الأبرياء مستترة في زوايا المتحف وصدى أصواتهم يتردّد، ولا تزال كلمة "ارحل" تدور، إنها في هذه المرّة تتمتم لكنّها حتماً ستثور.

يتفرق نظره بلهفة كما الذكريات هنا وهناك، فالقاهرة ضيقة رغم اتّساعها، ضيقة هي جدّاً بالنسبة لمهاجر مشتاق، ينام المساكين قليلاً ويبقى طلعت حرب بطقمه وطربوشه واقفاً طويلاً وسط ميدانه كأنه هو الآخر ينادي المارّة "ارفع راسك فوق، انت مصري".

وصل أخيراً إلى الشارع الذي وُلد فيه ودرس فيه وأُخرج منه، رفع رأسه ليلقي نظرة على أضواء العمارة، خاطبه السائق وهو يحمل أمتعته قائلاً: "اطّمن، مفيش عتمة الليلة دي" فصرخ في داخله صوت الغلابة: "قالوا اطّمن قلت إزاي، وأمن الدولة رايح جاي".

عاد المسافر إلى حضن أمّه التي ضمّته بدموع غزيرة أتبعتها بعبارة: "يا ضنايا"، وانطلق السائق عائداً إلى شقتّه، لكنّه في هذه المرّة استأنس بصوت حمزة نمرة ينادي: "تذكرتي رايح جاي".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.