المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا الأتاسي Headshot

لماذا الأستانة؟

تم النشر: تم التحديث:

اعتدنا منذ أكثر من أربع سنوات أن نسمع عن مفاوضات لحل الأزمة السورية بتنسيق الأمم المتحدة ودعم من الولايات المتحدة الأميركية، ودائماً ما كان يقع الاختيار على جنيف؛ كون سويسرا بلداً حيادياً، ومع الأسف فقد كُتب لـ"جنيف 1" و"جنيف 2" و"جنيف 3" الفشل، ولم تأتِ هذه المفاوضات بأي جديد، وفي ظل غياب قرار دولي صارم لحل الأزمة السورية، تبقى اتفاقات جنيف على الرفّ.

أما في الأستانة فيبدو أنّ الوضع مختلف، وإليكم الأسباب:

أولاً: إنّ اختيار البلد الذي سيتم فيه التفاوض غالباً ما يكون له أثر كبير على نتائج المفاوضات، وذلك من حيث دور البلد المستضيف وتاريخه، ففي عام 1920، قام الاتحاد السوفييتي بتنظيم مؤتمر الشعوب في باكو، وذلك رداً على المفاوضات في جنيف التي نتج عنها منح امتيازات انتدابية لبريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط. وهذه كانت محاولة من الاتحاد السوفييتي التنافس مع الإمبريالية الغربية، ونشر نفوذ موسكو.

فبالنظر للأستانة، فاللعاصمة الكازاخية رمزية خاصة مقابل جنيف، واختيارها يحمل نفس المعاني التي حملها اختيار باكو، بالإضافة إلى ذلك، فتاريخ جنيف يعبّر عن مفاوضات فاشلة وغير جدية بين الأطراف السورية التي لم تتجاوز المؤتمرات الصحفية وتبادل الاتهامات بين المعارضة السورية والنظام السوري، وهكذا فإنّ الجو السائد في جنيف لا يشجّع على التوصّل إلى أي اتفاق، وعلى هذا، فإنّ اختيار الأستانة لاستضافة المفاوضات خيار ذكي، لا سيّما أنّها بعيدة عن ساحة الأحداث والتوترات السياسية الدولية.

ثانياً: إنّ روسيا وتركيا، الداعيتين لمفاوضات الأستانة، هما لاعبان أساسيان جداً على الأرض السورية، كما أنّ لهما مصالح استراتيجية فيها، فبالنسبة لتركيا، وجود وحدات حماية الشعب الكردية على حدودها يربكها ويجعلها في حالة قلق دائمة، وفوق ذلك، فإنها ممتعضة من دعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية، بحجة أنّ لهم دوراً أساسياً في الحرب على داعش، أن وحدات حماية الشعب الكردية جزء لا يتجزأ عن حزب العمال الكردستاني، التي تخوض تركيا حرب العصابات معه منذ حوالي 40 عاماً، ومنذ عهد داود أوغلو في رئاسة الوزراء، حاولت تركيا أن تلعب دور الوسيط بين المعارضة والنظام السوري، إلا أنّ جميع محاولاتها لم تنجح؛ بل جعلت علاقتها مع الأسد في أوج التوتر، وبذلك أصبحت تُحسب على طرف المعارضة.

ثالثاً: إنّ روسيا تعرف جيداً ماذا تريد وكيف ستحصل عليه، وهي لا تتردد أبداً في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، وهذا ما دفعها للتدخل عسكرياً إلى صالح النظام السوري، فالفرق الجلي بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية هو أنّ الولايات المتحدة متردّدة وعاجزة عن تحديد موقفها -حتى بعد تجاوز خطوط أوباما الحمراء- من الأزمة السورية. فمن ينظر بنظرة سطحية يقول إنّ أميركا تدعم المعارضة السورية وتدعو بشار الأسد للتنحّي، ولكن داخل الدهاليز السياسية تبدو أميركا تتخبّط بين المعارضة والنظام، وإن لم تكن تدعم النظام بشكلٍ مباشر، إلا أنّ تردّدها كان أكبر دعم يمكن أن يتلقّاه بشار الأسد، كما أنّ إدارة أوباما كانت قد وضعت أولويتها محاربة داعش، دون أن تعي أنّه طالما الأزمة السورية لم تُحل فداعش لن تذهب إلى أي مكانٍ آخر، أما الذكاء الروسي فيكمن في استغلال الفترة الرئاسية الانتقالية في الولايات المتحدة ومحاولة التوصل إلى اتفاقية وقف إطلاق نار بدعمٍ روسي وتركي.

الأزمة السورية وصلت لمرحلة لم يعد فيها القرار سورياً، بل أصبح القرار رهيناً لاتفاقاتٍ دولية تتبع مصالح القوى العظمى والإقليمية، وعلى هذا، وبالرغم من دور روسيا العسكري في سوريا واستهداف الطيران الروسي للمدنيين، فإنّه يبدو أنّ روسيا لديها نيّة في التوصّل لحل في سوريا، ليس من أجل إيقاف نزيف الدم السوري؛ بل لأنها غير قادرة على البقاء عسكرياً في سوريا لمدة أطول والتدخل في مناطق أخرى كما فعلت في حلب، كما يبدو أن التقارب التركي - الروسي والبعد التركي - الأميركي قد يلعب دوراً إيجابياً في التوصّل لحلّ في سوريا، غير أنّه بالرغم من كل المؤتمرات والمفاوضات والاتفاقات، طالما لا يوجد نيّة مخلصة وجدية لوقف نزيف الدم السوري، وطالما المعارضة السورية لم تتوحد على كلمة واحدة، وطالما الدول تستفيد من الفوضى في سوريا، فإنّ الشعب السوري سيستمر بدفع ضريبة كسره لحاجز الصمت.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.