المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا الأتاسي Headshot

هيّا بسم الله..

تم النشر: تم التحديث:

بينما كنت جالسة في مطار بيروت الدولي بانتظار رحلتي إلى إسطنبول، التفتَتْ إليّ سيدة لبنانية كانت تجلس بجانبي وسألتني: "من وين إنتي؟" فقلتُ لها بكلّ فخرٍ واعتزاز: "أنا من سوريا".

نظرَتْ إليّ بكلٍ ما أوتيَتْ من نظراتِ حُزنٍ وأسى وشفقة وقالت لي: "ليش ما نزحتي على شي بلد بأوروبا بدل ما تروحي على تركيا، بقولوا أوروبا أفضل للاجئين وبتقدري تحصلي على جواز سفر أوروبي كمان".

حزينة، غاضبة، متوترة، منزعجة، عيناي تدمعان.. لم أكن أعرف كيف يجب أن أشعر وماذا أقول. في أجزاءٍ من الثانية تمالكتُ نفسي وقلتُ لها: "أنا ماني لاجئة، ورايحة على اسطنبول مشان الدراسة، وما بحتاج لأي جواز سفر لأنه عندي جواز آخر غير السوري". فما كان منها إلا أن قالت لي: "آسفة، فكّرتك لاجئة".

لاحقاً، كنتُ جالسة في المركز حيث أتعلم اللغة التركية، فجاء إليّ شابٌ من إفريقيا وسألني من أين أنا. وبالطبعِ جاوبته نفس الجواب، فنظرَ إليّ بنظراتِ الشفقة كأنما ينظرُ إلى شخصٍ ناجٍ من الموتِ، وقبل أن أستطيع أن أشرحَ له عن وضعي، فوراً أنزلَ عليّ الجواب المعتاد: "إذاً أنتِ لاجئة!"، ولم يقلها بصيغة السؤال، فيبدو أنه كان متأكداً من أنّ كوني سورية يعني أنّني بلا شك لاجئة.

لا أقصدُ هنا أن أقلّل من شأن اللاجئين ـ أستغفرُ الله ـ فاللجوء ليسَ من شأنه أن يُقلّل من قيمة الإنسان أو من كرامته. فمن الطبيعي أن يلجأ الإنسان من بلده إلى بلدٍ آخر باحثاً عن الأمان.

هناك العديد من اللاجئين من جميع أصقاع الأرض هربوا من بلدانهم وعاشوا في بلدانٍ أخرى. حتى أنّ منهم وصل إلى مناصبٍ سياسية واقتصادية مهمة على مستوى العالم. وعلى ذلك، فإنّه من الطبيعيّ أن يكون هناك العديد من اللاجئين السوريين. لكن الذي يحزنني فعلاً هو اقتران سوريا مهد الحضارات، سوريا دمشق قلب العروبة النابض، سوريا معقل البطولات، سوريا الياسمين الدمشقي، اقترانها بالحرب، واللجوء، والدم، والموت..

أفكّرُ كثيراً بأن أذهبَ لزيارة مدينتي حمص التي لم أرها منذ أربعة أعوام، لكن الجميع يمنعني ويقول لي أن أُبقي صورة حمص خاصة وسوريا عامة جميلة في ذكرياتي ومخيّلتي وألا أرى الحال الذي وصلت إليه الآن.

صحيح أنّني لا أُعتبر لاجئة بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنّني فعلاً أشعرُ بأنّني أفتقد وطني، وأعرفُ جيداً أنّ ما أفتقده لن يعود بهذه السهولة. فالأمرُ لا يتعلق بالتراب أو الجغرافيا، وإنّما هو بشعورِ الانتماء للأرض التي وُلدتُ عليها. كبرنا ونحن نرى معاناة الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل الأرض والوجود. بالطبع كنا ـ ولا نزال ـ ندعم القضية الفلسطينية، لكن دعمنا لها اختلف جذرياً. فقد أصبح الأمرُ شخصياً الآن، فمن يفقد وطنه هو وحده من يعرف مرارة هذا الشعور..

لا أدعو إلى التشاؤم ولا إلى الحزن ولا إلى الألم، بل على العكس تماماً! كلّ مرة يعتقد فيها شخص أنني لاجئة وينظر إليّ بنظرة الشفقة، لا يزيدني ذلك إلا تحفيزاً بأن أكون إنسانة ناجحة أعيد لأذهان الناس صورة سوريا التي نسوها. لنذكّر العالم أجمع بأنّنا صامدون وما زلنا باقون ـ أينما كنّا ـ على العهد بالمتابعة بمسيرتنا التعليمية والمهنية أو مهما تكن، لأنّنا مؤمنون بأنّ الوطن مهما ابتعدنا عنه بالمسافات فهو باقٍ حيّ فينا. ولنرى الأزمات التي تعشيها سوريا وسائر الدول العربية كمُحفزٍ لنا بأنّنا لن نسمحَ بأن تضيع بلادنا ولن نسمح بأن تُباع مرة أخرى.

وسندرك ـ وأعتقد أنّ معظم الشباب أدركوا ذلك ـ أنّ الذي أوصلَ بلادنا إلى ما هي عليه هو غياب، بل تغييب، كل أهل الكفاءات والشباب عن الحكم وسيطرة الديكتاتوريين منذ عقود. لذلك، فالوقت الآن ليس وقت الحزن والبكاء والحسرة، بل هو وقت العمل والتعلّم وكسب الخبرات حتى نكون جاهزين للعودة إلى بلادنا.. رافعين رؤوسنا وشامخين بإذن الله.

وكما يقولون في تركيا: هيّا بسم الله..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.