المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا العقيل Headshot

تشوهات الذوق العام

تم النشر: تم التحديث:

في سط الازدحام وفي طريقي عائدة من المستشفى ليلاً إلى البيت بعد موعد طويل مع الطبيب المختص، وجدتني أفتح الراديو كي أرفّه عن نفسي بسماع بعض الموسيقى لعلّها تزيح عني توتر الطريق والزحمة والملل.. بدأت أقلّب من محطة إلى أخرى فسمعت شيئاً يمكن وصفه بأي شيء إلا بالموسيقى نفسها.. تركت المحطة على واحدة من هذه الأغاني بعد أن مللت من أن أجد شيئاً يعجبني، ولكن الغريب بالموضوع أن أذني لم تستطع تحمّل ما تسمع!..

شعرت بأنّ في داخلي شيئاً بدأ يتشوّه بمجرد سماعي لها.. شعرت بتشوهات بدأت تُحفر في داخلي.. شعرت بأن ذوقي دخل لغرفة الإنعاش يريد علاجاً.. ما هذا؟!.. أي انحطاط هذا الذي نعيشه.. لطالما كانت الموسيقى للترفيه والإيقاع الجميل المتناسق والطرب.. إلا أنها باتت في هذا العصر أداة لتشويهنا من الداخل ومن الخارج..

تجد الفتيات والفتيان في الشارع يقلّدون المغني أو المغنية الفلانية.. حتى أن البنات أصبحن بأشكالهن الخارجية وعمليات التجميل نسخاً مكررة من مغنية واحدة.. والشباب كذلك.. أصبح همهم يتلخّص بـ"مغني" قد يكون في أحسن الأحوال خرّيج كباريه! وشبابنا منجرف يلهث خلفه.. يعيش على أمل أن يقابله أو يرمي له قبلة في الهواء أو يوقّع له على دفتر الذكريات الخاص به!

جيل أصبح أكبر همه في الصباح أن يقف أمام المرآة ليصفّف شعره بالساعات لعلّه يرى بذلك جماله المدفون.. يناقش صديقه حول فوز المرشح الفلاني في سباق الأغاني على القناة الفلانية! أصبح همه أن يفوز فريق الكرة الذي يشجعه وقد يخسر صديقه لأنه من مشجعي الفريق الذي ضد فريقه!

والفتاة حدّث ولا حرج همّها أكبر، فهي في كثير من الأحيان تحتاج لتعاني من جراحات في الوجه والأنف والصدر والمؤخرة والعين وحفّ الخدود ونفخ الخدود ووو.. كل ذلك إرضاءً لفارس أحلامها الذي يريدها أن تشبه المغنية الفلانية، تلك المغنية التي لا يمر ليلة دون أن تقضيها مع أحدهم لشدّة ما هي محترمة وجميلة وبنت عالم وناس! ولتُشبع نقصاً بداخلها فلا يُشبع بل تجر عملية التجميل الأخرى حتى تصبح الفتاة مسخاً غير واضح المعالم ولا الهوية فإن رأيتها بعد سنين لن تعرفها وإن ألقت عليك السلام!

كم وكم وكم أضعنا من أنفسنا بأيدينا وإرادتنا!.. الشذوذ أصبح حرية.. والخلاعة أصبحت انفتاحاً.. والاختلاط أصبح مدنية.. والحجاب أصبح رمزاً للتخلّف والرجعية.. وأصبح المتمدّن من يخلعه أولاً وبجرأة فيُطلق عليه لقب الجريء!
أي جرأة وأي زمان هذا الذي نعيشه؟! كل شيء مشوّه، لا بل وأصبح المشوّه هو الطبيعي والطبيعي هوالمشوّه! الصادق كاذب والكاذب صادق.. الخائن مؤتمن والمؤتمن خائن..

وهذا ما نبّهنا منه رسولنا المصطفى -صلى الله عليه وسلّم- حين قال: "ستأتي على أمتي سنوات خداعات يكذّب فيها الصادق ويُصدّق فيها الكاذب، ويؤتمن الخائن ويخوّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة" قيل: وما الرويبضة؟ قال:
"الرجل التافه السفيه يتكلم في أمر العامة".. وأي زمان أشبه من زماننا هذا.. زمن الأعذار والانحطاط.. نحتاج لأن ننتشل أنفسنا بأيدينا قبل أن يعمّ العذاب والعقاب فنذهب جميعاً بطالحنا وصالحنا! فلنُنقذ بقايا ما تبقى من الأخلاق والقيم والمبادئ والذوق العام!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.