المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا العقيل Headshot

في حمام السباحة في سويسرا

تم النشر: تم التحديث:

كعادتي استيقظت مبكراً لأحتسي قهوتي قبل أن يستيقظ أبنائي وأقرأ قليلاً قبل أن يملأ ضجيجهم البيت.. كان الجو يومها رائعاً لا ينقصه سوى حمام سباحة؛ لكي ننعش أجسادنا المنهكة من العمل طوال العام في هذه الإجازة.. استيقظ زوجي وأبنائي الصغار فاقترحت على زوجي فكرة أن نسبح فأعجبته، فما كانت إلا دقائق معدودة لنجد بعدها أنفسنا في حوض السباحة.


استمتعت ابنتي ذات العامين في بداية السباحة؛ إذ كانت حولها الألعاب المائية الجميلة التي تلفت النظر من كثرتها، لكنها ما لبثت أن بدأت ترتعش شفتاها الصغيرتان اللتان تحولتا إلى اللون الأزرق الداكن من برودة الماء بالنسبة لجسدها الناعم الصغير، فأمسكتني وحوّطت عنقي بذراعيها الصغيرين، وقدماها التفتّا حول خاصرتي ككوال صغير يتعلق على جذع شجرة، وقد خالط شعورها بالبرد شعورها بالخوف من الماء.. حزنت عليها وشعرت أنها لا حيلة لها في شيء، وإنما تنتظر أن ننقذها نحن من هذا الموقف.. حملقت النظر فيها، لقد كانت ترتعش من شدة البرد، وشفتاها ترتجفان وكأنها تسبح في الثلج لا في الماء، مع العلم أن الماء كان بالنسبة لنا نحن الكبار منعشاً ودافئاً.. كنت لحظتها أحملق بها لا لأراقب حركاتها اللاإرادية التي هي ردة فعل للبرد والخوف الذي تشعر بهما، بل لأرى من خلال عينيها الصغيرتين اللتين تفضحان خوفها وشعورها بالبرد، أولئك الأطفال الصغار الذين يرتجفون في البحار والمحيطات لا من استمتاعهم في الماء والإجازة؛ بل لهروبهم من الموت.. ليس فقط من الموت، بل الموت والاغتصاب والاعتقال وحتى التنكيل!

أتخيل أشكالهم وأصواتهم وتعابير وجوههم.. خوف، بكاء، توسل، صراخ، وأنا التي حزنت على ابنتي ونحن في حمام السباحة، شعرت بشعور الأم التي ترى فلذة كبدها أمام عينيها يموت من البرد ولا تستطيع أن تقدم له شيئاً.. ترى رضيعها يغرق ولا تستطيع أن تمد له يدها لتنقذه؛ لأن بيدها الأخرى تتشبث ابنتها الصغيرة الأخرى التي تغرق، ترى في مثل هذا الموقف الظلام وصوت الموج ودموع الحرقة على الوطن.

دموع ما لبثت أن تنشف من على وجوه أصحابها حتى وهم أموات تتلاطم أجسادهم مع أمواج البحر إلى ما لا نهاية.. دموع ستشهد لهم بأنهم حاولوا أن يصنعوا لأبنائهم مستقبلاً أفضل من مستقبلهم، ويستأجروا لهم وطناً عوضاً عن وطنهم.. لكن الإجابة جاءتهم من أعماق البحار؛ ليرتفع صداها في السماء قائلة لهم: حظاً أوفر يا أحبائي فلا مكان هنا للعواطف الجياشة!
ونحن ما زِلنا في حمام السباحة في سويسرا.. ككل العرب!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.