المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا العقيل Headshot

ليس كل مضحٍّ يستحق التعاطف.. عن أي تضحية تتحدثون؟!

تم النشر: تم التحديث:

ننتحر في حياتنا مرات عدة، لكننا ما نلبث أن نعيش مرة أخرى كالمثَل القائل "قطة بسبعة أرواح"، لا.. بل أكثر من سبعة! فأحياناً تنتحر أخلاقنا، وأحياناً تنتحر قيمنا، وأحياناً تنتحر شخصياتنا الحقيقية، وأحياناً تنتحر أجسادنا، وفي كثير من الأحيان تنتحر عقولنا؛ لقلة استخدامها واستخدام عقول الغير عوضاً عنها. وبعد انتحار مثل هذه الأشياء، قد يفكر الإنسان في الانتحار بالمعنى الذي يفهمه الناس فيقضي على نفسه ويُنهي ما تبقى منها؛ ألا وهو الجسد المادي، فيضحى جثة ميتة هامدة بعد أن كان جثة حية راكدة في مستنقع الحياة!

لكننا -للأسف- لا نأخذ من الانتحار سوى هذا المعنى الأخير رغم أن من ينتحر يمر بانتحار كل شيء فيه قبل أن يُقدم على الخطوة الأخيرة التي تسمى الانتحار.

فأنت تنتحر حين تتخلى عن قيمك ومبادئك وتغيّرها حسب الموقف لا حسب بوصلتك الداخلية الفطرية التي تميّز فيها بين الحق والباطل. وأنت تنتحر حين تحيا لغيرك كأنك آلة تعمل بناءً على مُدخلات غيرك من المعلومات والبيانات، معتقداً أنك إنسان مضحٍّ ورائع بينما أنت إنسان مضحٍّ يشعر بالتضحية ويستلذّ بها كمن يستلذ بالعذاب والألم!

فالتضحية لا تعد تضحية إن أنت لم تحبّ نفسك في المقام الأول أو تحب الشيء الذي تضحي به؛ لأن التضحية تعني أن تستغني عن شيء غالٍ ثمين مقابل شيء آخر أهم وأغلى سواء كان معنوياً أو مادياً، لذلك كان الجهاد في سبيل الله من أعظم الأعمال؛ ذلك أنك تضحي بنفسك "الغالية عليك" من أجل رب العالمين وفي سبيله، وتضحي بمالك "الغالي عليك" من أجل رضا الله، وتضحي بكلمة الحق وإن كانت قد تودي بحياتك "الغالية عليك" لإحياء قضية وإظهار الحق وهزم الباطل، وتضحي بابنك "الغالي عليك" تنفيذاً لأمر الله كما حصل مع سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام.

هذا هو ما يسمى التضحية. أما من تأتيني تشتكي أنها قد ضحّت من أجل أولادها وفي النهاية لم تجد مقابلاً، فاعذريني.. أنت لست بمضحّية؛ لأن المضحي إنسان لا ينتظر مقابلاً، خصوصاً في الدنيا؛ فهو أسمى من أن يخترق طبقات أذنيك الخارجية والداخلية وقناتك السمعية بالشكوى من أجل من ضحّى لهم والمقابل الذي تلقاه منهم!

أن تفني حياتك بالكامل لأجل أي شخص هو هراء لا يحمل معنىً سوى الانتحار الحقيقي في الدنيا قبل الآخرة، وليس كما يروجون له بأنه عمل سامٍ يقوم به الإنسان المضحي في أيامنا. هو إنسان يشعر بأنه الضحية وليس العكس، يظن أنه اليد السفلى وليست العليا، يظن أنه الضعيف وليس القوي، يظن أنه يريد الآخرة وليس الدنيا وهو أكثر من ينتظر من يعطيه في الدنيا قبل الآخرة مقابلاً لما ضحّى من أجله. هو إنسان يعيش ليرضي الآخرين وأحياناً كثيرة قد يتنازل عن حقوقه واحترامه لذاته وكرامته بدعوى التضحية، فلا يجد مفراً من أن يلبس قناع التضحية على أنه يفعل ما يفعل عن طيب خاطر، وهو الذي لو وُضع في مكان قوةٍ لما فعل الذي فعل.

لا يوجد شيء اسمه التضحية في الدنيا، يوجد ما يسمونه الانكسار بلباس التضحية، فكلمة التضحية رنانة أكثر ودرامية أكثر وتُشعر من حولك بالتعاطف معك أكثر، فالناس تحب الإنسان الضعيف لأنه يشعرهم بقوتهم ويخفي نقاط ضعفهم خلف ضعفه، ويجعلهم يعيشون دور المتعاطف الذي لا يزيد الموقف إلا سوءاً في معظم الأحيان.

قم -يا عزيزي- وانهض من دور الضحية ولا تعشْ الدور كثيراً وتكن كمن كذب الكذبة وصدّقها. قم وانفض عنك غبار روحك التي أصبحت هي الضحية الحقيقية لأفكارك ومعتقداتك البالية الملوّثة التي لا تمت إلى الواقع بصلة. قم وافهم معنى الحياة قبل أن تتقمص دور الضحية الذي لا يفهم من التضحية شيئاً سوى الانكسار والموت البطيء! فالتضحية جمال وقوة لن تبلغهما بطريقة تفكيرك هذه، التضحية هي أن تشعر بالأمان والسعادة الحقيقية والرضا وأنت تضحي، وأن تشعر بأنك ذو قيمة وأنك قوي وأنك قادر ولست عاجزاً.. عندها، ستصبح تضحيتك ذات معنى وقد نحتفي ونبتهج بها كما نفعل في عيد الأضحى، هذا العيد الذي جعل من التضحية في موقع القوة معنىً لها، فكان العوض الفرج والعطايا من رب العباد لا من العباد!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.