المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا العقيل Headshot

لا تغتر بأنك وجدتها.. فقد تنساب من بين يديك مرة أخرى

تم النشر: تم التحديث:

منذ فترة ليست بقصيرة وجدتها وكنت سعيدة جداً بذلك، فقد عشت حياتي أتذبذب هنا وهناك، باحثة عنها، فأحياناً أجدها، وأحياناً أكون قد توهمت بأني وجدتها، وأحياناً قد لا أجدها على الإطلاق.

عندما وجدتها تغيّرت حياتي بشكل جذري، خاصة من الداخل، فقد شعرت بأني إنسان بملامح داخلية جديدة، لكني البارحة استيقظت فشعرت بأنها غير موجودة، حاولت أن أبحث عنها مراراً وتكراراً دون جدوى، ثم ما لبثت أن انشغلت بشواغل الحياة المتسارعة، فتناسيت أمرها، وأكملت أشغالي، لكني في المساء كنت قد أصررت على أن أجدها، خصوصاً أني كنت من قبل سعيدة بوجودها، وانسجامي التام معها، فقد كانت هي من يدعمني أولاً بالخير والنشاط والخطوات الإيجابية في حياتي، وهي أيضاً من يثنيني عن الخطأ وخطوات الشيطان في أنشطتي اليومية.

لكنها ضاعت، ما عدت أجدها، لقد لملمت كل شيء لديها ورحلت بصمت دون أن أشعر، والله لو شعرت لما تركتها تغادر، ولو كما يقولون بالعامية "على جثتي".. لكن ما حصل أنها غادرتني، ومَن طبعه العناد لا يستسلم بسهولة، جهزت أمتعتي الداخلية، وأغلقت هاتفي الجوال، وتوجهت إلى تلك الغرفة المظلمة، متأكدة أنها قد تأتي في مثل هذه الأجواء المشجعة، خصوصاً أنها تحب الهدوء والاسترخاء، وتكره الضجيج، فأنت لن تراها بوضوح إلا بالهدوء والتزام الصمت بدلاً من الكلام الذي بات وباء في أيامنا هذه، فكلنا يتكلم، ويتكلم، ولا ينصت لأحد، كلنا لديه عقدة نقص في الكلام، لربما هو أسلوب تربية متبع في بلادنا منذ الصغر وفي عائلاتنا أيضاً أن تبقى ساكتاً "وليس صامتاً فهناك فرق لغوي"، وأن السكوت فضيلة، والكلام رذيلة، فنشأنا معقدين لغوياً، وقمنا باسترجاع حقنا في الكلام عندما كبرنا، وما عدنا نسكت، وما ساعدنا أكثر على علاج عقدة النقص هذه هو وسائل التواصل الاجتماعي التي انتشرت في عصرنا الحديث، فأنا لا ألبث أن أفتح الفيسبوك لأرى آخر الأخبار، فأرى كل شيء واتصفحه إلا الأخبار! لأتبعه بالسناب شات فترى كلّ واحد وعالمه الخاص وأين ذهب، وماذا أكل، وماذا فعل، وأنا منهم، ثم يتبعه الإنستغرام؛ لأرى جديد الصور في عالم الطعام والسفر والأزياء والدورات الإلكترونية الجديدة، ثم لا ننسى الأهم وهو الواتساب، صديقنا المفضل الذي لا يحلو الطعام ولا الشراب ولا القيادة ولا انتظار الطبيب، ولا انتظار الأولاد للركوب بالسيارة للتوصيل للمدرسة، ولا الوقوف عند الإشارة، ولا انتظار الدور لدفع ثمن مشترياتك عند المحاسب.. إلخ إلا بوجوده.

ثم ننتقل بعد ذلك للفايبر لنكمل حديثنا مع من نحب بالساعات صوتاً وصورة مجاناً، ويا سلام كما يقول المثل "اللي ببلاش كتر منه"، ونحن شعوب تحب البلاش، ومستعدة لأن تضيّع حياتها فقط لإحساسها بأنها جدعة، واستطاعت أن تحصل عليه ببلاش.. فلا ينتهي حديثنا بمجرد الانتهاء من الموضوع الذي نريد التحدث عنه، ولكنه يمتد لأن أريك ماذا أطبخ، وأركان المنزل، والخاتم الجديد الذي اشتريته، والحذاء العالي الذي دفعت ثمنه، وأحياناً قد ندخل الحمام، ونحن نتحدث أيضاً صوتاً وصورة، ولكن نرى وجوهنا فقط، لا تقلق فما زال هناك حشمة، وإن دخلنا الحمام، وأكملنا موضوع وصفة الباستا الجديدة التي طبختها البارحة، وتعلمتها من تلك القناة الفضائية المتخصصة بالطبخ، فإذاً هدفنا شريف، وهو إطعام من حولنا طعاماً لذيذاً.

وهكذا يمر اليوم ونحن غارقون في شواغل لا تنتهي، ولن تنتهي، وإن كلمنا أحداً أخبرناه بأننا مشغولون.. مشغولون بهذه الحياة السريعة المجنونة الوهمية التي لا مكان فيها للحظة نسترخي فيها، ونستجمع قوانا العقلية والفكرية والجسدية، لحظة نجد فيها أنفسنا الحقيقيين الطبيعيين وليس الوهميين الغارقين مع مَن يغرق في هذا المركب الكبير الذي لسان حاله يقول: أليس فيكم رجل حكيم!

نبحر به إلى لا وجهة، ومن لا وجهة له كمن ماتت روحه وبقي جسده يتحرك!

إنها نفسي يا إخوان.. نفسي هي التي ضاعت مني، وحاولت البارحة أن أستعطفها بالعودة، إلا أنها متذبذبة تريد أن تعود ولا تريد مثلي تماماً، أريد أن أكون أنا ولا أدري من أين أبدأ، لكن ما أعرفه أنها تستحق العناء والتضحية في سبيلها بكل شيء، فليس هناك أغلى من لحظة تصالح مع الذات وانسجام مع النفس، عندها لن تحتاج لأحد، وستشعر بالسعادة والحيوية، وإن كنت وحيداً.. وستصبح الوحدة ميزة وحسنة، وليس كما يقولون "الجنة بلا ناس ما بتنداس"، لكن "الجنة بلا تصالح مع الذات ما تنداس ولو كان فيها كل الناس"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.