المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا العقيل Headshot

لا تتركي يدي

تم النشر: تم التحديث:

تمر الأيام يوماً بعد يوم، وتمضي الشهور والأعوام دون إدراك حقيقي منا لكل ما حولنا، ففي دوامة الحياة وعجلتها التي لا تتوقف يصعب على المرء إدراك قيمة اليوم الواحد، ولا ندرك قيمة هذا الوقت إلا عندما نطفئ شمعة جديدة كل سنة في أعياد ميلادنا تُذكّرنا أننا قد كبرنا سنة كاملة لا يوماً واحداً.

ومع الأيام التي تركض أرى ابنتي الصغيرة التي كانت لا تستطيع أن ترفع رأسها قد بدأت تمشي، لا بل وبمجرد أن تمشي خطوات قليلة حتى تترك يدي في محاولة منها للاعتماد على نفسها، وتحاول أن تنطق الكلمات وتعبّر عن مشاعرها في الفرح والغضب وغيرها من الأمور التي تتطور عند الأطفال بمجرد تقدمهم في العمر ونموهم.

لكن ما أخذ يدور في بالي هو أنه إلى متى سنبقى نستشعر لذة كوننا أساس حياة أولادنا وحبهم ومصدر ثقتهم بأنفسهم، وأننا من يعتمد عليه أبناؤنا في كل شيء.. هذه اللذة الخفية تُفرح قلوبنا كوننا مهمّين لهذه الدرجة في حياة شخص على الرغم من تململنا بين الحين والآخر من مهامنا التي لا تنتهي.

لكنه شعور جميل بكل عنائه ومتعته، هذا الشعور الجميل يأتينا بين الحين والآخر من أعماق ذلك المكان الذي في القلب يقول لنا بين الفينة والأخرى: لا تستعجل، فهي فترة قصيرة ما تلبث أن تذهب، فاستمتع بها لأقصى الحدود، فمتى كبر الأطفال أصبح ما تقوم به من معاناة الآن ومشقة في إطعامهم وإلباسهم وتغيير حفَّاضاتهم وتسليتهم بالنسبة لهم لا شيء، ستصبح هذه الأمور أشياء يقومون بها بشكل تلقائي كما تقوم بها أنت الآن.

لكن ليس هذا ما أريده من ابنتي، نعم أريد لها الاعتماد على نفسها جسدياً، ولكني أريد أيضاً أن أبقى محور حياتها عاطفياً وفكرياً، أريد أن تشعر بقيمة وجودي بقربها ليس فقط لإطعامها وسقايتها وغسل ملابسها وتنظيف غرفتها، هذه الأمور التي تستطيع أن تقوم بها أي خادمة بسهولة، لا ما أريده أكبر.

أريد أن أعطيها من مشاعري الكثير كي لا تبحث عنها في غيري، أريد أن أكون مصدر الأمان لها في تساؤلاتها حتى لو كانت محرجة وجريئة حتى لا تسأل غيري، أريد أن أكون مستشارتها في الأمور المهمة بحياتها، أريد أن تحب أن تخرج معي لتناول البيتزا والهامبرغر كما تحب أن تذهب مع صديقاتها، أريد أن ترتمي في أحضاني إن جرحها أحدهم أو آذاها، أريد أن تصارحني بأنها هربت من المدرسة لتناول الآيس كريم فأضحك معها على حركاتها الشبابية هي وصديقاتها بدلاً من الكم الهائل من التوبيخ و(البهادل) في التربية والنصائح التي لا تنتهي وكأني لم أكن في عمرها ولم يضحكني ما يضحكها الآن.

أريد وأريد وأريد.. أريد الكثير منك يا ابنتي، أريد الصداقة والمحبة والاحترام والثقة في علاقتنا، وأريد أن تبقى يدانا متشابكتين بقوة وإن كبرتِ وأصبحتِ قادرة على الجري بمفردك إلى بوابة الطائرة، وأنت تحملين فلذة كبدك كي تبدئي معه فصلاً جديداً في حياتك في بلد غريب تعتمدين فيه على نفسك بشكل كلي، لكن مع ذلك يدانا ما زالتا تتشابكان عبر المسافات والأيام.. عندها أكون قد أنجبت صديقة وأختاً وليس فقط ابنة.. أحبك.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.