المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا العقيل Headshot

في رحلة اللجوء.. لن تستطيع أن تحمل هذه الأشياء

تم النشر: تم التحديث:

عندما ينتابك شعور بضيق الوقت، و كثرة المهام و تتمنى أن يحوي اليوم أكثر من أربع و عشرين ساعة فأنت تعلم عندها ماذا يعني أن يضيع من يومك بأكمله ما يقارب العشر ساعات في انتظار دورك في المستشفى، لكي ترى طبيبك المختص مع طفلة صغيرة لم تتجاوز العامين (مع العلم أنك في مستشفى أهلي "راقي بوصفهم" و ليس حكومي)، أي أنك تدفع المال و الكثير منه مقابل العلاج.. خرجت من بيتي ما يقارب الثامنة و النصف صباحًا و لم أعد إليه حتى الساعة السادسة و النصف، لأشعر بالإنهاك القاتل.. شعرت أن الأريكة شيء ثمين ما إن جلست عليها حتى شكرت ربي على نعمة البيت.. نعمة السقف الذي يؤوينا.. نعمة معرفتنا الأكيدة أننا بعد هذا العناء في الخارج سنعود لبيت و سرير و باب يُغلق علينا في أمان نستحم و نأكل و نغيّر ملابسنا و و و، الكثير من الأشياء التي اعتبرتها البارحة كنز لا نشعر به إلَّا ما ندر جدا..

لكن ليس هذا فقط ما خطر في بالي، لقد خالط شعوري منذ اللحظة الأولى التي وضعت جسدي فيها على الأريكة شعور أولئك اللاجئين و اللاجئات.. قلت في نفسي: شعوري غاضب و ممتغض لأني حدث و أن تأخرت اليوم كاستثناء في أيام حياتي (مع العلم أني قد تقدمت بشكوى على ما حصل أي أني لم أسكت عن حقي) فكيف هم و قد شُرِّدوا من بيوتهم ظلما و بغير حق دون أن يأخذوا منها سوى الضروري جدا الذي يلزمهم، في كثير من الأحيان قد لا يأخذوا شيئا سوى أجسادهم المحمّلة بذكريات الماضي و هموم الحاضر، و غموض المستقبل.. يعني أنك قد تدرس لسنوات ثم لا تأخذ أوراقك التي تثبت ذلك.. أن لا تستطيع أخذ شهادات ميلادك، و أسرتك، و جميع الوثائق الهامة المتعلقة بك و بهم.. أن لا تستطيع أن تأخذ معك ما يذكرك ببيتك الذي قد هُدم فوق رأسك.. أن لا تستطيع أن تأخذ فرشاة أسنانك و أنت في البراري ستجلس لأيام.. لا ملابس داخلية أو حتى خارجية.. لا فوط صحية لزوجتك و بناتك.. لا حقيبة خاصة لطفلك الرضيع فيها ما يكفيه من الحليب و الطعام و الحفاضات.. لا ماء نظيف لتغسل به وجهك بعد أن أحرقته الشمس و أكله الغبار و تراكمت عليه الأوساخ.. لا مكان آدمي لتقضي حاجتك فيه و هي أقل ما يمكن أن تطلبه.. لا و لا و لا لأشياء كثيرة نراها و نمارسها في حياتنا دون وعي بروعتها و بحاجتنا الفعلية لها.. هذا بالإضافة لحملك الثقيل الذي هو أمانة برقبتك.. زوجتك و بناتك و طفلك الرضيع الذي اعتاد أن ينام في سريره فأين هو السرير!.. أين هو الحليب!.. أين هي الألعاب و الكتب!.. أين هو شعوره بالأمان الذي تلاشى و هو يشعر بحضن أمه الخائف يصعد و ينزل الجبال و الممرات كي يصل في النهاية إلى قارب مطاطي يهتز مع كل موجة في البحر!.. و إن بكى فإنه يجد من يزجره لأن مثله الكثير و لا أحد بحاجة لسماع صوت البكاء فوق صوت ضجيج الألم و التشرّد و المغامرة في البحر التي قد تكون قاتلة له و لكل من معه!.

لا مكان للمثاليات في مثل هذا الموقف و لا لأسس التربية الحديثة و لا للطب النفسي و لا للعنف و أثره على الأطفال قبل الكبار.. لا مكان لشيء من هذه النظريات الحديثة، و لا مكان لبنود حقوق اللاجئين و الاتفاقيات التي تبرمها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، و المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، و تنديدات الحكام العرب، و الاتحاد الأوروبي، و غيرهم.. لا مكان لحروف مكتوبة على الورق لا تقدّم و لا تؤخر في مثل هذا الموقف.. و لا مكان لقمم ستُعقد لحل مشكلة اللاجئين في مثل هذا الموقف .. لا مكان لمساعدات ستصل و لا لمساعدات قد وصلت و البيوت مهدمة فوق رؤوس أصحابها!

لا مكان سوى للأعصاب المشدودة و العقول المغيّبة التي لا تفكّر بالمنطق بل تفكر فقط بكيف الخلاص.. و إن كان الخلاص في النهاية هو ذوبان الأجساد و غيابها في مياه البحر لعلّ جراحها و آلامها توزع في أعماقه و تختفي معها صرخات الطفل و من معه للأبد.. علّ البحر يكون أرحم بهم من أوطانهم التي لفظتهم لتُبقي على الكراسي و من عليها!.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.