المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا العقيل Headshot

الإنسان "الحِشريُّ" بهيئة الناصح

تم النشر: تم التحديث:

معظمنا، إن لم يكن جميعنا قد تعرَّض بشكل أو بآخر لتدخلات في حياته الخاصة (الشخصية)، من طرف لا يعنيه، أو لا يهمه، أو لا تربطه به تلك العلاقة القوية التي تُسقط الحدود أمامه ليتدخل، لا بل أحياناً قد يتدخل لك من أنت لا تعامله كصديق من الأساس، وأحياناً أخرى قد يكون هذا التدخل من أقرب الناس إليك، معتبرين ذلك حقاً من حقوقهم التي لا أعلم من أين جاؤوا بها.

أخذت أفكر بعقلية وطريقة تفكير هذا الإنسان الحشري، ومن الذي أعطاه هذا الحق ليتدخل في حياتي أو حياة غيري من إملاءات ونصائح (ذهبية) وإرشادات، في حين أن أحداً لم يطلب رأيه أو مشورته، ويا ليتها نصائح ذات وزن يُذكر، بل هي أقرب للمواعظ والإملاءات عنها للنصائح، تهدِم أكثر مما تبني، وتفرِّق أكثر مما تجمِّع، وتدمِّر أكثر مما تُصلح، خاصة لأولئك الذين يتوهمون بأنهم ناصحون لك من خلال الانتقاد والأسلوب غير المنطقي وغير اللطيف، أو من خلف ظهرك كأن ينصحك من خلال صديقك أو قريبك فيكون هذا الوسيط المسكين أداة النقل والتواتر، وهو مِن الأساس لا دخل له في تصرفاتي وآرائي ومواقفي، وما إن رآني الناصح أُلجم وتصرف وكأن شيئاً لم يكن، وهو الذي يستقوي على صديقي أو قريبي في نقل "النصيحة المبطنة"، ونسي قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الَآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرَاً أَوْ لَيَصْمُتْ".

وبالمناسبة بأي حقٍّ يا عزيزي الحشري تعطيني رأيك في شيء أنا لم أسألك عنه، بأي حقٍّ تنصحني كيف أتعامل مع أقرب الناس لي، أو حتى أبعد الناس لي، وأنا ما طلبتها منك، بأي حق تُملي إرشاداتك عليَّ في شيء أنت من الأساس فاشل فيه، بأي حق تتجاوز حدودك معي وتدخل إلى مساحتي الخاصة دون إذني.

تجده فاشلاً في دراسته ويعطيك تعليمات عن طريقة الدراسة وكأنه خبير!
فاشلة مع أولادها وتعطيكِ نصائح في تربية أولادك!

فاشلة في زواجها وتعطيكِ حلولاً لإنقاذ زواجك!

عاق لوالديه أو أحدهما وتجده يعطيك نصائح في بر الوالدين وكيفية التعامل معهما، معتبراً نفسه من أولياء الله الصالحين!

فوضوي ويعطيك نصائح في التنظيم!

جاهل ويعطيك نصائح في الدين!

غارق في المشكلات ويبدأ بإعطائك الحلول لمشكلاتك!

أولاده فسّاق ومع ذلك يبرّر لهم، ويجعلك أنت الفاسق غير المراعي لحدود الله!

أنا لستُ ضد مبدأ النصيحة على الإطلاق، بل على العكس أنا مع النصيحة؛ لكن بشروط، أن تكون نصيحة بنَّاءة، تلك التي نجني من ورائها الخير والمنفعة للجميع، والتي تكون بهدف الإصلاح، والنابعة عن الوعي والنضج والخبرة الحقيقية، وحب الخير للناس، والخوف عليهم من عقاب الدنيا والآخرة، مثل هذه النصيحة تُفتح لها القلوب باستسلام دون أدنى مقاومة، لأنك استشعرت حبَّ الآخر لك، وخوفه عليك، واستشعرت رُقيَّه في إسداء النصيحة لك، والذي ينصحك سراً لا علانية (إذا نصحتني على انفراد فقد نصحتني وإذا نصحتني أمام الناس فقد فضحتني)، وأخذ بيدك نحو الخير والأفضل، دون أن تشعر، ودون أن يمنَّ عليك فيذلَّك.

أما تلك النصيحة التي دافعها إشباع حظ النفس وغرورها، بأن الناصح لك الأفضل، سواء في دين أو علم أو تربية أو جاه أو مال أو أي شيء مادي فما هو إلا إنسان يُسقط عقد نقصه عليك، وكأن الدنيا بأكملها، بما فيها من مشاغل وتحديات والتزامات لا ينقصها سوى شخص مثله لا يسمن ولا يغني من جوع! ويا ليتك طلبتها منه، بل هو من فرض نفسه متكلماً ناصحاً لك، وإن كان غريباً عنك.

حين تحدث عليه الصلاة والسلام عن حق المسلم على أخيه المسلم، قال: "حَقُّ المسلم على المسلم ستٌّ، قيل: ما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: إذا لقيتَه فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجِبْه، وإذا استنصحك فانصَح له، وإذا عطس فحَمِد الله فشمِّتْه، وإذا مَرِض فعُدْه، وإذا ماتَ فاتَّبِعْهُ". واستنصح تعني أنه هو من طلب نصحك ومشورتك، لا أنت من وكّل نفسه وصياً عليه وعلى أقواله وتصرفاته.

ونقطة مهمة جداً لا بد أن يفهمها الجميع، أنك يا عزيزي الناصح ليس واجباً على من تنصحه أن يأخذ بنصيحتك، فهذا شأنه، خاصة لو كان إنساناً بالغاً راشداً عاقلاً، فقد قال عزَّ في علاه: "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر"، وهذا في قضية الإيمان، فما بالك بما هو أدنى.

اختَرْ جيداً من تستمع إلى نصائحه وتأخذ بها، ولا تكن كالتَّبَع لأحد، ولا تنتقص من نفسك مهما كان، فكثرة (الناصحين لك) لا تعني بالضرورة أنك مخطئ، فسيدنا محمد وهو سيد البشر حاربوه وقاوموه واتهموه بالجنون والسحر في رسالته ودعوته، وكان هو الذي على الحق وهم على الباطل. أن تكون متميزاً ليس بالأمر السهل، خاصة مع انتشار هؤلاء المحبطين السلبيين الفاشلين من حولك، لكن مع ذلك قاوم ولا تسمح:

لا تسمح لأحدٍ أن يسلبك خصوصيتك مهما كان ومهما كلفك الأمر.

لا تسمح لأحد أن يقترب من مساحتك الخاصة دون إذنك ورضاك.

لا تسمح لأذنك أن تألف انتقاداتهم ومواعظهم، مقنعين إياك أنها تصبُّ في مصلحتك، وأنها نابعة من حبهم لك.

لا تسمح لهم أن يتمادوا، وكن لهم بالمرصاد، فأنت ملك مملكتك لا سواك.

لا تسمح لهم أن يسلبوك جمال حياتك بنصائحهم (المزيّفة) وتعليقاتهم التي هم أولى بها وبتطبيقها.

لا تسمح لهم أن يؤثروا على مزاجك وإقبالك على الحياة، فهم كالنار التي تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

استأسد عليهم، ولا تسمح لهم أن يسلبوك راحة بالك وصفاء ذهنك، فالمؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف، ومن القوة أن توقف من يجرّك للقاع عند حدِّه.

أحياناً يا عزيزي (الحشري بهيئة الناصح) قد لا يعطي الإنسان الحق لوالديه أو إخوانه أو أولاده للتدّخل في حياته، وهذا حقه، فما بالك بك أنت يا عزيزي الغريب البعيد!

لذا احفظ ماء وجهك ولا تجازف باختراق خصوصية غيرك، فبعضهم قد يسايرك ويجاريك، إما لمعرفته بعقليتك التافهة الناقدة، أو احتراماً لسنّك، أو لمعرفته بسذاجتك أو لسذاجته هو نفسه، فلا يعلم كيف يوقفك عن حدِّك، وبعضهم قد يُسمعك ما لا يعجبك، وهذا من حقه، فكما قالوا "من دقَّ الباب سمع الجواب"، وديننا يأمرنا بترك ما لا يعنينا "مِن حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعنِيهِ"، ومنهم من قد يتصرف معك بشكل حاد قد يفاجئك، فترتدع بعدها ولا تتجرّأ على أن تنطق بالكلمة أمامه إلا بعد تفكير عميق.

فكما لك كرامة لغيرك كرامة، ومن يسكت لك مرة و(يمشّيها) لاعتبارات معينة قد يصرخ في وجهك في المرة التي تليها، لاغياً أي اعتبارات، ولسان حاله يقول "طفح الكيل". فاحفظ ماء وجهك ولا تقترب دون استئذان، فكما أن من الدين والأصول والثقافة والعادات أن تستأذن قبل دخولك لأي مكان له خصوصية، فمن واجبك أيضاً أن تستأذن قبل أن تطأ قدماك مساحتي الخاصة، فمن واجبك عليَّ احترامك، لكن بالمقابل من حقِّي عليك احترامي أيضاً، فلنتبادل الاحترام، ولننعم بالحدود المريحة الجميلة الأنيقة دون تعقيدات.

وملخّص نصيحتي لمن يحيطه أمثال هؤلاء (الناصحين) تتلخَّص بتلك التي قالها مالكوم إكس رحمه الله: "كن مسالماً ومهذباً وأطِع القانون واحترم الجميع، وإذا ما قام أحد بلمسك فأرسله إلى القبر"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.