المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا العقيل Headshot

بلاد العرب أوطاني.. أكذوبة القرن الماضي

تم النشر: تم التحديث:

عندما سافر حسام في رحلته إلى الغربة مودّعاً خطيبته التي أحبّها من أعماق قلبه النقي، مودًعاً والديه المسنين وأختيه اللتين تصغرانه، مودعاً حارته الصغيرة ورائحة الصباح والمساء فيها، رائحة الفلافل والفول من العم أبو عبد الله المعروف بأمانته ونظافته، رائحة الخبز الطازج من مخبز "السعادة" الذي على رأس ذاك الشارع الضيق، رائحة الفاكهة المنعشة في الصيف والحامضة في الشتاء، مودعا رائحة المطر وتراب حديقة بيته المختلط بذاك المطر، رائحة العائلة.. رائحة الحب.. رائحة السعادة.. رائحة ذاك الوطن.

في الطائرة بكى كالأطفال وهو يطل من نافذة الطائرة الصغيرة، بكى على وطنه الذي لم يغادره من قبل.. بكى على أحلامه التي لم يستطِع أن يحققها في هذا الوطن، بكى على أسرته التي فيها سكنه وراحته، بكى على خطيبته التي سيبتعد عنها ليؤمّن لها ما أراده والدها، اشتغل وتعب وأُهين وهو الذي اعتقد أنّ كونه في بلد عربي سيجعل له الأولوية في كل شيء، يبدو أنه كان متأثراً جداً بأنشودة بلاد العرب أوطاني!

جمع ذاك المال وعاد.. عاد إلى وطنه في النهاية بعد كد وتعب ولوعة فراق..
في المطار قُبض عليه، وألقي في السجن بتهم سياسية، منها التحريض على الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي! ولا أحد يعلم مدى خطورة هذه التحريضات على أمن الدولة العظيمة التي تهزها بعض صور وكلمات ينفّس من خلالها المواطن البسيط عن نفسه وعما يضايقه ويستخدم فيها أبسط حقوقه في التعبير عن الرأي.

المهم لا أحد يعلم إن كان حسام سيرى نور الشمس مرة أخرى أم لا!

عاد.. عاد ليعرف أن خطيبته قد خُطبت لغيره، وأن أباه قد أصيب بجلطة إثر سماعه خبر اعتقاله، وأن الوطن الذي كان عزاؤه الوحيد قد خانه!

قصة بسيطة مثلها الكثير والأقسى والأمر منها، لكنها مجرد قصة قصيرة تفوح منها حرقة الوطن المتاجَر به، لدرجة أنّ وطناً واحداً لم يكفِنا فتغنينا بكل بلاد العرب على أنها أوطاننا.

بلاد العرب أوطاني.. كذبة القرن الماضي
بلاد العرب أوطاني.. من الشام لبغدان.. ومن نجد إلى يمن.. إلى مصر فتطوان

أحب شعراء الزمن القريب أن يتغنوا بالأوطان والعروبة والنخوة والكرامة والشجاعة والبسالة، فتجدهم متحمسين في الإلقاء والكلمات، حتى تشعر لوهلة عند سماعك لكلمات قصائدهم خاصة قصيدة "بلاد العرب أوطاني" أنك تريد أن تركض وتغدو في أرض الله الواسعة دون حدود ولا جوازات سفر ولا حتى مال؛ لثقتك أنك محاط بإخوان وأحبة في كل مكان حولك سوف يساندونك ويساعدونك وينصرونك إن أنت احتجت إليهم.

لكن ماذا لو سمع أولادنا وأحفادنا هذه الكلمات في أيامنا القادمة؟ أتوقع أن يعتقدوا أنها كانت مجرد مزحة من مزحات الجيل القديم (جيلنا الحالي) ذي الدم الخفيف.. ليس فقط الخفيف بدمه بل بقيمته وبقدره وبهيبته بين الشعوب.. الجيل الذي لا يفلح سوى بالغناء والرقص والتفاهات، فيجتمعون لأجل راقصة ولا يجتمعون لأجل نصرة قضية تهمهم.. يجتمعون ليكيدوا لبعضهم بدلاً من أن يكيدوا لعدوهم الحقيقي.. يغارون من بعض ولا يغارون على دين الله وحدوده.. جيل لا يجمعه إلا الخبث والخبائث ونعوذ بالله من الخبث والخبائث.. ترى فيه العجب العجاب.. النفاق على أوجه.. الخيانة حدّث ولا حرج.. الكذب.. الغدر.. الخداع.. كلمات ما عادت مجرد كلمات بل كلمات تستطيع أن تكتب بجانبها ألف مثال من الأحداث المحيطة بنا.

فرّقوا الأمم واستهانوا بالدين وجعلوا سفهاء القوم أعزة وعلماء القوم أذلة.. أسكتوا الحق وقصوا لسانه وجعلوا الباطل يزغرد ليصدح المكان حتى ظن الجاهلون أنه الحق.

حرّموا الصغائر واستباحوا الكبائر بصمتهم وتواريهم عن العيون في أشد وأحلك اللحظات التي تُشد فيها إليهم معظم العيون.. قالوا الشطرنج حرام والاختلاط حرام، فماذا عن القتل والتعذيب والتنكيل؟! ماذا عن حرائر يغتصبن وعوائل تشرّد وأطفال تُيتّم ومساجد تدنّس؟! وبعد كل هذا تريد أن تقنعني بأن بلاد العرب أوطاني!

بالفعل صدق الشاعر حين قال:
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

لماذا الفرقة لماذا الكيد؟!
لماذا لا نتوحد بدلاً من أن نتفرق، ونحب بدلاً من أن نكره، ونبني بدلاً من أن نهدم، ونخطط بدلاً من أن نتخبط، ونقف ضد عدو واحد بدلاً من أن نقف ضد بعضنا بعضاً!

ألن نكون عندها الأقوى والأفضل! فقد قالوا "في الاتحاد قوة" وحديثاً طبّقوا "فرّق تسد" فلا هم سادوا ولا هم أصبحوا أقوى بل أصبحوا خرافاً تسوقهم اللحظة بأمر ممن هم عليهم أقوى.

وإذا ما تجرأت وتفكرت وأعملت عقلك قليلاً في حال أمتنا صاحبة الأمجاد العظيمة في الماضي وجدت نفسك بين كومة عيون هائمة نائمة تنظر إليك وكأنك قادم من كوكب آخر، ووجدت لسانك لا إرداياً يرد عليهم (بقول الشاعر):

يا قومِ لا تتكّلموا ** إن الكلامَ محرَّمُ
ناموا ولا تستيقظوا ** ما فاز إلاّ النُوَّمُ
وتأخّروا عن كل ما ** يَقضي بأن تتقدّموا
ودَعُوا التفهُّم جانباً ** فالخير أن لا تَفهموا
وتَثّبتُّوا في جهلكم ** فالشرّ أن تتعلَموا

وتلملم أفكارك وخواطرك وتطلعاتك وطموحاتك باحثاً عمّن يعقل بدلاً من أن يُعقَل!

ولو سألت سجيناً سياسياً عن رأيه بهذه القصيدة لقال لك بعد أن رسم على وجهه ضحكة صفراوية: بلاد العرب أوطاني، قد كتمت أنفاسي، وقضت على مستقبلي وأحلامي، وجردتني من أبسط حقوقي وطموحاتي.. ولم تشفع لي عندها بأن بلاد العرب أوطانك.. أقصد يا أخي.. أوطاني!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.