المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا العقيل Headshot

كلما كبرت أيقنت أنني...

تم النشر: تم التحديث:

كلما كبرت أيقنت أن الطفولة من أجمل نعم الحياة، وذكرياتي معها تشدني لتفاصيلها، فأتمنى عندها لو أعود صغيرة.

كلما كبرت أيقنت أن الدنيا لطالما كانت مليئة بالأحداث غير السارة والنزاعات والحروب والظلم والاستبداد والخونة والظلّام، لكني أنا من كنت صغيرة.

كلما كبرت أيقنت أنني أحتاج للاحتواء كما لو كنت بعدُ.. صغيرة!

كلما كبرت أيقنت أن الوحدة قد تكون أكثر ضجيجاً ومتعة وحياة من صحبة أولئك الذين لا يزيدونك إلا كآبة وندامة.

كلما كبرت أيقنت أنني لو وقعت فلن أجد حولي أحداً إلا دعاء لرب العباد تزداد فيه يقينا وثباتاً.

كلما كبرت أيقنت أن في داخلي أفضل مما كنت أتوقع وأنني وإن أخطأت فباب التوبة مفتوح لمن أراد الراحة والسعادة.

أيقنت أن لومي لذاتي لن يزيدني إلا خسارة، فقررت أن أمد لها يد العون، ولا أزيدها حسرة وندامة.

أيقنت أنني إن تعبت فإني لن أجد حولي أحداً إلا أصواتهم التي تعرض المساعدة، وستكون نعمة إن هم قالوها لك من الأساس "هل أنتِ بخير يا فلانة!".

فأيقنت عندها أن أهم شيء في حياتي صحتي، فإن هي ذهبت خسرت أكبر خسارة، ولن أسمع منهم سوى كلمات الإشفاق الرنانة.

أيقنت أن الدنيا لا تضحك لك دوماً، لكن أنت الذي ينبغي أن تضحك لها، ولا تعاندها؛ كي لا تكسرك رياحها الجبارة.

أيقنت أن أصدقاء اليوم قد يصبحون أعداء الغد، وأعداء اليوم قد يصبحون أصدقاء الغد، فلا تفرط بمن أيقنت صدقه في صداقتك، ودافع عنه بكل بسالة.

أيقنت أن سرك لا يرتاح سوى في قلبك، فإن أفشيته صار مشاعاً لألسنتهم النمامة.

أيقنت أن مرافقة الحكيم بألف صديق، وأن الاحترام لا يقل أهمية عن الحب، إن لم يكن أكثر، وأن المودة والرحمة ليستا فقط بين المتزوجين، بل بين البشرية جمعاء، هي الأجمل والأقرب للإنسانية والفطرة.

أيقنت أنني لن أجامل من لا أحب، ولن أتعاطف مع من لا يستحق، ولن ألقي بالاً لمن يضيع وقتي هباء بتفاهاته منثوراً.

كلما كبرت أيقنت أنني في كثير من الأحيان قد أتجنب الجدال، وأختار أن أكون "بليدة"؛ لعلي بذلك أكسب راحة البال والسكينة.

كلما كبرت أيقنت أنه قد يكون حولك الكثير، لكنك قد تبكي من الغربة في داخلك.

كلما كبرت أيقنت أنه لن يسعدك أحد إلا نفسك، وإن أسعدك أحدهم فلن يسعدك طوال الوقت؛ لذا لا تهمل نفسك مهما حدث.

كلما كبرت أيقنت أنني لا أستطيع أن أسيطر على كل شيء في حياتي، وأن تفويض المهام مهارة لا يتقنها إلا القادة.

أيقنت أنني أقترب من خط النهاية، وإن كنت قبلها لا أفكر فيه من الأساس.

أيقنت أن أيامي تركض، وأنني إن لم أسابقها وأكن بنفس سرعتها أو حتى أسرع، فإنني سأكون رقماً في عالم البشر لا زيادة.

أيقنت أن التجديد هو شعلة الحماس نحو الأفضل، وأن تسامحك مع نفسك، ورضاك عنها بعد رضا الله أجمل غاية، وأنك ستخطئ أحياناً وستصيب أحياناً أخرى لا محالة، فلا تعطِ الأمر أكثر مما يستحق وزيادة.

وأنك ستقع ثم تقع ثم تقع، لكن العبرة في الختام لا في منتصف الطريق، فالأعمال بخواتيمها، هكذا أخبرنا رب العزة والجلال.

أيقنت أن أحلامي لن يحققها غيري، وأنها لن تنتهي، وإن حققت بعضها أو حتى كلها، فهي كالهواء للرئتين، وإن انتهت انتهيت معها لا محالة.

أيقنت أنك لا تضمن أحداً إلا ذاتك، وأنك إن وقعت فلن يرفعك من الأرض إلا أنت، وأنك إن وصلت القمة لن يرافقك إلا أنت أيضاً!

فانهض، ومد لنفسك يد العون والقوة، ولا تنظر خلفك، ولا حولك لتستنجد من أحد العون والشجاعة، أنت أقوى مما تتخيل، فاعبر الحياة بقوة لا بكسل وخمول وهُزال، واجعل اليوم أجمل، والغد أروع، وخذ من الماضي العبرة، ثم اتركه خلفك يلهث حتى يتعب، فيغادرك بلا رجعة ملوّحاً له.
مع السلامة، ولترافقك عندها يا عزيزي السعادة والسلامة.. ومع السلامة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.