المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيا العقيل Headshot

كلمةُ حقّ في حقِّ الدكتور طارق السويدان

تم النشر: تم التحديث:

لكل منا في حياته مهما صغر أو كبر قدوة بشكل ما، قدوة يقتدي بها، يُعجب بها، يقتنع بأفكارها، وقد يحاكي مظهرها ويقلد سلوكها وتصرفاتها في حال أحبها كثيراً، وليس من الضروري أن تكون هذه القدوة حسنة، فقد تكون من أسوأ ما يكون، ولا يشترط أن تكون قدوة المرأة امرأة، أو قدوة الرجل رجلاً، فقد تُعجب الفتاة برجل ويكون هو قدوتها، وقد يُعجب الرجل بامرأة تكون هي قدوته!

لكن القدوة الحسنة.. هذا المصطلح الذي بدأنا نفتقره ونفتقده ونشتاق له في زمننا الحاضر، زمننا المتسم بالسرعة والمصالح والمظاهر والمال والتباهي، هذا هو الذي نحاول أن ننقب عنه لندرته.

لكم نحتاج لتلك القدوة التي تتمثل في ذاك القائد، القائد الذي نستطيع أن نثق به، فنهتدي بحكمته التي ترشدنا للمنارة الصحيحة في ظلام البحار وتخبط الأمواج واختلاط وتعالي أصوات الآراء السديدة مع الآراء السخيفة، قائد يكون ثابتاً في قيمه ومبادئه مهما تغيرت المواقف وتقلبت الأيام وتعرض للامتحان، قائد نسمع صداه في موقف الحق يهز المكان،
قائد لا يخيب آمال معشر العجائز والشباب ولا حتى الأطفال.


يعطينا الأمل من قلب الألم، يعطينا الحياة في حضرة الموت، يعطينا القوة في لحظات الانهزام، يعطينا الروح عندما تنزف الجروح.

يُكتب التاريخ القادم الآن وتُكتب معه مواقف الرجال، نعم إنها قد لا تُكتب على الأوراق إن بقي الخونة في سراح؛ لأنهم سيحاولون تشويهه كما فعل أسلافهم، لكنها ستُحفر في قلوبنا ونرويها لأحفادنا، وإن طال انتظار فجر الانتصار.. ومن هؤلاء الرجال الدكتور طارق السويدان.

عرفناه من كتاباته ومحاضراته في مجال القيادة والإدارة والتخطيط بشكل خاص، أثبت أنه شخص عملي وعلمي كأي شخص بارع في مجاله.

لكن أن تحكم على معدن الشخص هذا الذي لا يكون في يوم وليلة، ولا من مقابلة أو مقابلتين، ولا من كلام رنان يهز المكان فقط بصداه، لا تستطيع أن تحكم عليه إلا من مواقفه وخاصة الرجال، فكم من رجال أبهرونا بكلماتهم الرنانة ثم سقطوا سقوطاً مدوياً مع أول موقف حقيقي استرعى شجاعتهم واختبر ضميرهم، فأُزيلت الأقنعة، وظهرت شناعة أنفسهم المريضة.

لكن ما نراه في السنوات الماضية وحتى الآن هو أن الدكتور طارق قد ارتقى في عقولنا إلى أعلى مراتب الاحترام والتقدير، وإن كنت أختلف معه في بعض الآراء، ذلك أنه أثبت لنا أن صاحب الموقف لا يتغير ولا يباع ويشترى ولا يسكت عن الحق ولا ينصاع.

لكم خيّب كثير ممن اعتقدنا أنهم قدوات لنا آمالنا، ولكم توقعنا منهم الكثير، لكن صمتهم قتلنا، لا بل وبعضهم لم يصمت فقط بل تكلم، ويا ليته صمت -فالصمت له ما يبرره أحياناً- وامتثل لقول رسول الله: (... فليقل خيرا أو ليصمت)!

أنت أيها الشخص المثقف عندما يتابعك الملايين فهذا يعني أنك في نظر كثير منهم أنت شخص مؤثر بطريقة ما، ليس بالضرورة أن يعتبروك قدوة أو قائداً، لكنك على أقل تقدير في نظرهم شخص ذو رأي سديد، وعلم قيّم، وأن كلامك يعكس ما قرأت ودرست ودرّست، وأن ما تعظ به الناس الأولى أن تعظ به نفسك، وأنك ذو تأثير كبير على شريحة كبيرة من المجتمع، وأن كلامك بالنسبة لهم ثقة، وأنك محاسب عن كل كلمة تقولها؛ لأنها قد تكون سبباً في تغيير مسار حياة أحدهم للأفضل، أو للأسوأ، بأفكارك وقيمك، هذا إن لم تكن سبباً في تغيير مسار أمة بأكملها!

لكن إلى الآن ومع مرور الأحداث المتسارعة من حولنا لم نجد شخصاً ذا تأثير إعلامي بطابع ديني على وسائل الإعلام المختلفة قد ارتقى لمستوى الدكتور طارق السويدان في الجرأة على قول الحق وجلب النفع ودرء الضرر وعدم المساومة على المبادئ، خاصة لو قارناه مع من هم على ساحة التأثير الإعلامي اليوم الذين هم في وادٍ وما يجري في العالم كله في وادٍ آخر!


يعجبني في د. طارق السويدان حرصه على نهضة الأمة، وما يعجبني أكثر هو نكهة الأمل المميزة التي يبعثها في نفوسنا حتى في لحظات تخييم الظلام، تجده يعلّق على ما يدور حوله من أحداث، لكنه لا ينسى أن يعيد ويكرر لنا كلمات التشجيع والتفاؤل والنشاط والحيوية بأن القادم أفضل بلا شك، وأن الأجمل ينتظرنا، وأننا ومع مرارة ما يدور حولنا من آلام، خاصة ما يتعرض له المسلمون في شتى أنحاء الأرض، فلا بد لنا من العمل والمبادرة، وعدم الاستسلام، وأننا في مرحلة مخاض، ستكون ثمرتها مرحلة جديدة من النهوض والعزة والانتصار.

كلماته تذكرني دوماً بحديثه صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليفعل).

أنا لا أعلم خاتمة أحد، ولا حتى خاتمتي، لا أعلمها ولا أضمنها، فهي بالنهاية توفيق من رب العباد، فكما علمني أبي أن الحي لا تؤمن فتنته، وأننا جميعاً معرضون لفتن الحياة والممات، والفوز العظيم لمن ينجح ويجتاز هذه الفتن بسلام.. ومن أجمل الدعاء الذي تدعو به لنفسك ولمن تحب هو حسن الختام، فإن أحب الله عبداً أحسن خاتمته، وإن كانت أعماله السابقة لا توحي بذلك، والعكس أيضاً صحيح، فقد يكون ممن يظهر الخير، وهو ألد الخصام، فتختم له خاتمة سوء، وأعماله السابقة كانت توحي بغير ذلك، والعياذ بالله!

وفي الختام، اللهم اكتبنا جميعاً والدكتور طارق ممن كتب له حسن الختام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.