المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حاتم اللواتي Headshot

نوادي الكتاب بتونس.. نجح المجتمع المدني حيث فشلت الدولة

تم النشر: تم التحديث:

على الرغم من وجود إدارة عامة للكتاب صلب وزارة الثقافة، تتفرع منها عدة إدارات فرعية، تعنى إحداها على سبيل الذكر بالتعريف بالكتاب، وتعنى أخرى بالترغيب في المطالعة، وتتشارك كلها في إنجاز خطة وطنية للترغيب في المطالعة، فإن واقع الكتاب في تونس لا يبدو في أفضل حالته، فعديد الدراسات المهتمة بشأن الكتاب والمطالعة في تونس تبعث على القلق.

فحسب إحدى هذه الدراسات، فإن 80% من التونسيين لا يقرأون الكتب، و79% منهم لا يملكون كتباً بمنازلهم، وتبين نفس الدراسة أن 86% من التونسيين لم يشترِ كتاباً واحداً في السنة السابقة لاستجوابه، وأن 81% من المستجوبين لم يقرأ كتاباً خلال السنة السابقة، في المقابل نجد أن 70% من الفرنسيين يقرأون كتاباً واحداً في السنة على الأقل، وأن معدل قراءة الفرنسيين للكتب يناهز 17 كتاباً في السنة الواحدة.

وتبين دراسة أخرى أن ثلاثة أرباع المستجوبين فيها لم يزوروا في حياتهم ولو مكتبة واحدة، ويبرر التونسيون بعدهم عن مطالعة الكتب بتعلة انعدام الوقت (55% منهم)، ويبرر 20% منهم عدم إقبالهم على القراءة بعدم تعودهم عليها منذ الصغر.

على ضوء ما سبق وفي ظل ما تعيشه البلاد من تقلبات وأزمات، فإنه يبدو من "العادي" أن لا تحظى الثقافة عامة والكتاب خاصة بالعناية اللازمة من طرف الدولة، التي تتصدر قائمة اهتماماتها أولويات اقتصادية وأمنية بالأساس، وأن تترك فراغاً في هذا المجال، لم يتوانَ المجتمع المدني في ملئه، فرغم غياب استراتيجية وطنية للتشجيع على المطالعة وغياب إرادة سياسية في هذا الشأن، شهدت تونس سنة 2015 صحوة نوعية للكتاب، كان وراءها الإرادة القوية للمجتمع المدني التونسي، الذي يعتبر من أهم مكاسب الثورة، إن لم يكن مكسبها الوحيد.

فقد عرفت تونس سنة 2015 عدة علامات مضيئة في عالم الكتاب، كان أبرزها إضافة إلى فوز رواية "الطلياني" لشكري المبخوت بجائزة البوكر، وهي أول رواية تونسية تفوز بهذه الجائزة، التي تمنح للمتميزين في الأدب المعاصر، وإلى جانب النجاح الكبير لرواية "عشيقات النذل" المرشحة لنيل جائزة البوكر العربية لسنة 2016، لصاحبها الروائي الشاب كمال الرياحي الذي كان وراء بعث ورشة للكتابة تحت اسم دار الخيال، انتشار نوادي الكتاب بعدد من المدن التونسية التي كان وراء بعث أولاها إرادة قوية ومنفردة للشاب عبدالكريم بن عبدالله.

ففي محاولة ثالثة، وبعد أن فشل في المحاولتين الأوليين عامي 2007 و2009 ، نجح عبدالكريم سنة 2015 وبصفر من الإمكانيات في إنشاء نادي تونس للكتاب، ودفع شبان آخرين لإنشاء نوادٍ مماثلة بمدنهم، تجاوز عددها حاليا 25 نادياً.

وقد تميز بين هذه النوادي، نادي المدينة الذي يبدو أنشطها وأكثرها حركية، فإلى جانب تنظيمه للملتقيات الشهرية، حيث يختار كل مشارك كتاباً أعجبه أو تأثر به لتقديمه لبقية الحضور، قبل أن يمر الجميع إلى النقاش حول كتاب الشهر أو موضوع يتم الاتفاق عليه، نظم نادي المدينة عدة تظاهرات وحملات كان أبرزها حملة "أنا شريت كتاب وأنت وقتاش" الهادفة لإنقاذ سوق الكتب القديمة بالدباغين.

نجاح تجربة نوادي الكتاب بتونس، ودفعها في اتجاه ترسيخ ثقافة الكتاب لدى التونسي، يعتبر مكسباً من جملة مكاسب أخرى حققها أو ساهم في تحقيقها حماس المجتمع المدني، الذي عرف بعد الثورة تطوراً ونضجاً، جعلا منه مكوناً فاعلاً وأساسياً في الفضاء العام، وشريكا للدولة وحتى معوضاً لغيابها في عدة مجالات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.