المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حاتم عزام Headshot

من قتل جوليو ريچيني؟

تم النشر: تم التحديث:

لم يتم الإعلان بعد عن ملابسات مقتل الطالب والباحث الإيطالي جوليو ريجيني، لكن الثابت أن جثته وُجدت ملقاة في بداية طريق القاهرة/الإسكندرية الصحراوي، وقد بدت عليها آثار التعذيب واضحة وثابتة لا تخطئها عين، وإلا ما تم الإعلان عن هذا، في مشهد يعيد إلى الأذهان قضية مقتل الشاب المصري خالد سعيد إثر تعرضه للتعذيب، والتي كانت من شرارات ثورة يناير/كانون الثاني. وبرغم أن التحقيقات لم تنتهِ بعد، ولم تعلن نتائجها، إلا أن ثقة الشارع المصري في منظومة القضاء "الشامخ" منقطعة النظير وبلا حدود، والمصريون وحدهم هم من يعلمون ماذا يعني شموخ القضاء، لذلك فإنه يبدو أن الحكومة الإيطالية تريد إرسال بعثة قضائية؛ لا للإشراف بنفسها على تحقيقات السلطات المصرية في ملابسات تعذيب ومقتل الشاب الإيطالي؛ وبالطبع ليس بوازع عدم الثقة، بل كبعثة تعليمية أثناء ممارسة العمل On The Job Training لتعلم "الشموخ".

وفي هذه الأثناء يظهر وزير داخلية سلطة الانقلاب العسكري في مؤتمره الصحافي الذي كان بعنوان "يكاد المريب يقول خذوني"، فعندما يتحدث نافيًا أي علاقة للداخلية بقتل جوليو ريجيني مدعيًا أن هذا ليس سلوك سلطته ولا عسكره، وقد بدا مسبحًا وممجدًا بأياديهم الطاهرة، فإن دلالة هذا في قاموس الشموخ معلومة.

غاب عن وزير داخلية السلطة العسكرية في مصر أن العالم كله يدرك -بحكم فاعلية وسرعة وسائل اتصال القرن الحادي وعشرين الذي يحاول أن يتغافل هو عنه أو يستغفل عنه المتابعين- أن اليوم الذي كان يتحدث فيه الرجل عن طهارة وبراءة سلطته كان الموافق للذكرى السنوية الأولى لذبح عشرات الشباب المصري من مشجعي كرة القدم "الأولتراس" بدم بارد في ستاد الدفاع الجوي على أيدي قوات الوزير، وأعقب ذلك اعتقال من نجا منهم بتهمة إثارة الشغب وكأنهم هم الذين قتلوا رفاقهم، وما زال القتلة أحرارًا طلقاء، في صورة من أبهى صور الشموخ.

يدرك المتابعون أن الآلاف من شباب مصر مثل ريجيني قتلوا، بدءًا من موقعة الجمل ومحمد محمود وماسبيرو وستاد بورسعيد، مرورًا بمذبحة الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة ومسجد الفتح وستاد الدفاع الجوي، وصولًا إلى العالمية بقتل السائحين المكسيكيين قصفا بالطائرات. كما يدرك أصحاب العقول أن مقاولات بناء السجون باتت أحد المحركات القليلة للاقتصاد المصري المتهاوي باعتبارها مشروعات بنية تحتية للسلطة العسكرية القمعية المنقلبة على العملية الديمقراطية، بعدما ضجت السجون الحالية بعشرات الآلاف من الشباب والمعارضين لها، ناهيك عن التعذيب المفضي إلى الموت بها ومئات الحالات الأخرى للقتل البطيء داخل أماكن الاحتجاز والتصفية الجسدية للمعارضين السياسيين بمنازلهم.

الكل يدرك أن هذه ليست حربًا على الإرهاب، بل إرهاب سلطة منظم بقوة السلاح الممول من دافعي الضرائب المصريين وخارج نطاق القانون لمحاولة استعادة سلطوية دولة مبارك الفاسدة المستبدة وزرع الخوف مجددًا في قلوب المصريين بعد ثورتهم، فالإرهاب منبعه الإرهاب المنظم لهكذا سلطة تمارس جرائم بحق الإنسانية بشكل ممنهج ومستمر. أنتم صُناع الإرهاب وحطبه ووقوده وبات رحيلكم وحسابكم واجبًا لاستعادة العدالة وحفظ الأمن.

كما تدرك الشعوب التي تحيا في ظل دولة القانون أن يد العدالة لا يمكن أن تغل بالقوانين كما يؤمن ويصرح جنرال الانقلاب العسكري، كما لا تعرف هتافات "عايزين إعدامات يا ريس"، كما أن تلك الدول التي يسود فيها القانون لا تسمح بأن يكون من بين قضاتها أمثال ناجي شحاتة الَّذِي يصدر أحكام الإعدام والمؤبد على المئات دفعة واحدة دون سماع مرافعات، كما أنه لا يمكن أن يكون لديهم وزير للعدل يحرض على قتل مئات الآلاف علنًا وعلى الهواء مباشرة -إشباعًا لفاشيته هو ومن جاء به- كأحمد الزند.

لكن، كيف ستتم معالجة هذا الملف على المستو الثنائي الرسمي للدولتين؟ ترى هل ستضاعف سلطة الانقلاب العسكري أسعار شراء حصة الجانب المصري من الغاز المصري مجددًا في حقل ظهر من شركة إيني الإيطالية شبه الحكومية في ظل تهاوي أسعار النفط العالمية لمستويات غير مسبوقة؟ أم ستصنع إيطاليا طائرات الرفال على أن تشتريها مصر مقدمًا؟ أم سيشهد مندوبو الحكومتين توقيع عقد جديد بمليارات الجنيهات لشركة الأسمنت الإيطالية "إيتال شمنتي"؟! أم ستكشف التحقيقات أن جوليو كان عضوًا في التنظيم العالمي للإخوان مع أخ الرئيس أوباما غير الشقيق فاستحق التعذيب والقتل وبهذا فإنه لا حاجة لأي ثمن جديد؟!

هل ستسفر التحقيقات أن الحادث محض عمل جنائي، أم أننا بصدد حالة مماثلة مثل خالد سعيد أو سيد بلال؟ وهل سيدرك الشعب الإيطالي أن حكومته مسؤولة عن مقتل روجيني بدعمها أنظمة حكم عسكرية فاشية تقتل الآلاف من الشباب المصري وتعذب عشرات الآلاف بالسجون حتى أصابها بشكل عارض بعض مما يعانيه المصريون جراء هذا الدعم.

خالص تعازينا إلى أسرة جوليو ريجيني ومحبيه وأصدقائه وللإنسانية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.