المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حاتم عزام Headshot

الاصطفاف الوطني و الثور الأبيض

تم النشر: تم التحديث:

عادت مجدداً إلى السطح ، في الأيام القليلة الماضية، أطروحات كنّا قد ظننا أننا تخطينا مرحلة ترف النقاش الفلسفي البيزنطي حولها، لكن مادامت هذه الحال، فلا ضير من مناقشة -مجدداً- ما قد ظننا أنه بات من مسلمات كنّا قد تجاوزناها وأضعنا ما يكفي من الوقت والجدل والجهد حولها.. وزيادة.

"الأخوان المسلمون" فصيل وطني متجذر في نسيج المجتمع المصري، لا يمكن ولا يعقل محاولات الفصل بينهما، وسعي وزير الدفاع المنقلب لاجتثاثهم بالقتل والحرق والاعتقال والتصفية الجسدية سيبوء بالفشل الذريع، لكنه يعمق جرحا اجتماعيا غائرا سيبقى بعد سقوط انقلابه العسكري، وحتى يستعيد الضحايا وأهلهم حقوقهم، وأتمنى وأدعو الله مخلصاً ألا يمتد بعد هذا كثيراً.

ألا يعلم هذا وزير الدفاع المنقلب؟! بلى يعلمه. فلماذا إذن يمارسه إلى حد الوصول به، وبتعريف القانون الجنائي الدولي، إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية كاضطهاد ممنهج على أساس سياسي وفكري لأي منتم لتنظيم الاخوان المسلمين: قتل وحرق وتصفية جسدية واعتقال ومصادرة أموال وتحريض إعلامي وفصل من الوظائف وإغلاق جمعيات مجتمع مدني. و و و ..؟! مكارثية وعنصرية تعيد للأذهان نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا!

لا يوجه وزير الدفاع المنقلب سهامه في كل حديث له، في أي مناسبة، إلا إليهم، ولا يلصق الإرهاب إلا بهم، حتى وإن كان يمارس نفس الجرائم ضد غيرهم أيضا، إلا أنه يختصهم بالنصيب الأكبر من أبشع أنواع الجرائم.. لا يفعل سيسي مصر هذا إلا لأنه يدافع عن رقبته أولاً وعن المنظومة الفاسدة المستبدة التي أتت به ثانياً. إنه ، وبحساباته الصحيحة التي قل ما تصح ، القوى السياسية المنظمة التي تحظى بظهير مجتمعي جعلها تحوذ وحدها ثقة أكثرية نسبية تتراوح بين 35% و 40% من واقع خمسة استحقاقات ديموقراطية نزيهة، ومن يأتي بعدها من القوى الوطنية الأخرى غير منظمة بنفس الشكل، ومفتتة يسهل السيطرة عليها وتطويعها إذا ذُبح "الثور الأبيض".

تجارب الصراع المدني - العسكري و التحول الديموقراطي تؤكد أن االديكتاتوريات العسكرية دائماً ما تحارب الأكثرية الأكثر تنظيماً أولاً، و تصفه بالإرهاب بهدف محاصرته مجتمعياً و سياسيا ، حتي إذا ما أجهزت علي الثور الأبيض .. أفترست الباقي بسهولة

ليس هناك أدنى شك، من واقع التاريخ ودلالات السياسة واستنتاجات المنطق، في أن المجتمع المصري لو كان قد أفرز أكثرية نسبية من فصيل فكري وسياسي مغاير، كالاشتراكيين الثوريين على سبيل المثال، لكان الاشتراكيون كلهم أول من يتبوأ قائمة الإرهاب بتعريف الانقلاب العسكري. هذا لَيْس افتراضاً جدلياً لسلوك سلطة عسكرية منقلبة على الديموقراطية وتمارس جرائم ممنهجة ضد الإنسانية، فقد حدث هذا بالفعل في الأرجنتين والبرازيل وشيلي ودول أمريكا اللاتينية ابان الانقلابات العسكرية المماثلة هناك.. فاليسار الذي كان يستحوذ على الأكثرية النسبية حينها في تلك الدول ، كان على رأس قوائم الإرهاب من قبل الجنرالات العسكريين الذين قادوا تلك الانقلابات.. إلى أن استعاد اليسار وضعه الطبيعي في تلك المجتمعات بعد سقوط الانقلابات العسكرية ومحاكمة قادتها.

لن تنجح ثورة مصر بدون الأخوان كما لن تنجح بهم وحدهم

لن تنجح ثورة مصر من دون الاخوان ولن تنجح بالاخوان وحدهم، كما يجب عدم تركهم وحدهم يخوضون هذا الفصل المهم من فصول معركة تحرر وطني تهدف بالمقام الأول إلى إنهاء نظام يوليو العسكري، والذي لا ينفصل عن كونه من مخلفات الاستعمار المباشر لتستمر التبعية للقوى العظمى المهيمنة بشكل غير مباشر، وبدء مرحلة بناء مجتمع مدني ديموقراطي مؤسساتي سليم يكون الشعب فيه هو صاحب الكلمة والاختيار والمساءلة.

بيان الاشتراكيين الثوريين وبيانات حركة ٦ أبريل الأخيرة أدركت هذا جيداً، وهو تطور ووعي ونضج جيد يحتاج البناء عليه بخطوات عدة لاستعادة بناء كتلة وطنية حرجة تمثل التنوع المصري وتتشارك على مبدأ استعادة الديموقراطية والتصدي لهذا الحكم السلطوي العسكري المستبد الفاسد الذي يتغذى على انقسام من تشاركوا في ثورة يناير.. ويسعى دوماً لتفتيتهم.

في هذا السياق، فإن إعادة الحديث عن انسحاب الاخوان من مواجهة الانقلاب العسكري لا تخدم سوى الاستقرار التام للحكم العسكري المستبد الفاسد، بل ومباركته. كما أن أمن مصر المجتمعي ووضعها الإقليمي سيتأثران تأثرا بالغ الخطورة بمثل هذا الطرح النظري، فمن ناحية سيفتح هذا المجال، إن حدث، لقوى راديكالية متشددة ترى الاخوان فصيلا علمانيا متسيبا ينبغي القضاء عليه لتتمدد هي، ناهيك عن إخلاء الساحة أمام تمدّد إيراني يتوغل في المنطقة العربية بشكل بات لا يحتمل اللبس، وليس ببعيد عن مصر، إضافة إلى الخطر الأكبر المحدق على بوابة مصر الشرقية من قوى احتلال صهيوني متأهبة.

الدعوة لإنسحاب الإخوان كمجموعة منظمة من مشهد المقاومة السلمية الشعبية و السياسية للإنقلاب العسكري ، تعني إستقرار و إستباب الأمر للحكم السلطوي العسكري، كما تفتح الباب لتمدد مجموعات راديكالية متشددة تتبني العنف و هو غاية أمل السلطة العسكرية


مصر التي نحلم بها، وقامت من أجلها ثورة يناير، هي مصر التي ستحيا بكل أبنائها. يتشاركون في بنائها بعد تشاركهم في إسقاط منظومة يوليو
العسكرية المستبدة ودولة مبارك الفاسدة التي اختطفت وطننا الغالي أكثر من ستين عاما، احتكرت فيها السلطة والثروة والرؤية، حتى تذيلنا قوائم دول العالم في شتى المجالات إلا الفساد والجهل والمرض والفقر والظلم الذين تفوقنا فيهم على كل الأمم بلا منازع.

تحية إلى هؤلاء الأبطال والشرفاء المُضحين الذين مازالوا يقفون بكل جسارة واستبسال وسلمية أمام هذه الفاشية العسكرية المجرمة منذ أكثر من عامين، فهم أصحاب السبق ومدعاة للفخر، وتحية إلى كل من عاد إلى موقعه السليم مدافعاً عن ثورة مصر وأهدافها مواجهاً لهذه المنظومة الفاشية الفاسدة المستبدة، فالثورة ليست حكراً أو ملكاً لأحد.

التحديات أمامنا أكبر كثيراً جداً من أخطائنا مجتمعة، وثورتنا توحدنا

تحية إجلال لكل الأحرار خلف قضبان الاستبداد، بكل انتماءاتهم وتوجهاتهم، على تضحياتهم الغالية، وتحية إلى الرئيس محمد مرسي الذي لولا موقفه الرافض لانقلاب الثالث من يوليو العسكري لم يكن ليبقى للثورة من أمل، وسلام على أسماء البلتاجي وشيماء الصّباغ وأخواتهما وإخوانهما من الشهداء.

ووداعاً لنخب انفضحت أو أصابها العطن والعطب، فلم نعد نرى من أحسنهم حالاً إلا عويلاً خافتاً باهتاً لا يناسب أفعال الرجال. التحديات أمامنا أكبر كثيراً جداً من أخطائنا مجتمعة، وثورتنا توحدنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.