المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن عثمان حسن Headshot

رحلة في غرب السودان.. إلى دار أندوكا!

تم النشر: تم التحديث:

دائماً روضة الحاج، لو علمتِ يا شاعرتي إلى أي الآفاق سافرت أشعارك معي، على حقائبي إلى المدينة التي تضج بالحياة، وكلها تحاكي رائحة التراب وسنا الحقول بلاد الزراعة والمزارعين القضارف، وعلى الدروب الجبلية المهجورة قمم جبال النوبة كادقلي والدلنج والعباسية وبلد المماليك تقلي، وإلى السلطنة الزرقاء سنار الحضارة، ومن ساحل البحر الأحمر بشرق السودان، وكثيراً عبر صحراء الشمال إلى أدبرة أو كما يحلو لأهلها على ضفاف نهر النيل العظيم مدينة الحديد والنار، في الطريق إلى توتيل مدينة كسلا كان ثالثنا الحلنقي، تذكرتك تقولين يا شاعرتي:

ما كان بعدي عن سأم ولا ملل ** لكن دروب المعالي تلك تدعوني
فجئت يا كسلا الخرطوم يدفعني ** عزم أكيد له الآمال تحدوني
لكنني لم أجدها مثل ما عهدت ** أماً رؤوماً لفقدي قد تواسيني
فهزني ألمي واشتد بي سقمي ** واشتقت يا حلمي للأرض والطين
للقاش للفاتنات الخضر يطربن ** في الشط لفوح أريج للبساتين
للفجر يطلع من توتيل مبتسماً ** وللأصيل إذا حياك يحييني

وكأنه يرد عليك شاعرنا محمد الطيب العباسي وهو يصف مدينة مليط بغرب السودان دارفور:

أنسَيْتِني بَرْحَ آلامي وما أخذت ** منا المطايا بإيجافٍ وإيخاد
كثبانُكِ العفرُ ما أبهى مناظرَها ** أُنسٌ لذي وحشةٍ رِزقٌ لمرتاد
فباسقُ النخلِ ملءُ الطرفِ ** يلثم منذيلِ السحابِ بلا كدٍّ وإجهاد
كأنه ورمالاً حوله ارتفعتْ ** أعلامُ جيشٍ بناها فوق أطواد
وأعينُ الماءِ تجري من جداولها ** صوارماً عرضوها غيرَ أغماد
والوُرْقُ تهتف والأظلالُ وارفةٌ ** والريحٌ تدفع ميّاداً لميّاد
لو استطعتُ لأهديتُ الخلودَ لها ** لو كان شيءٌ على الدنيا لإخلاد

هو السودان يا شاعرتي، أي مدينة تباهي مدينة بالخضرة والجمال والحضارة.

أما الآن فأنا متجه أكثر غرباً، إلى دار أنوكا مدينة الجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور، كنا قد تركنا الخرطوم صباح ذات يوم شتوي أو أواخر يناير/كانون الثاني من هذا العام، اتجهت الطائرة شمالاً غربياً ومنها عطفت غرباً فوق صحراء الشمال وجهة شمال كردفان قاصدة مدينة الجنينة، سوف نصل إليها بعد ساعة ونصف في رحلة طويلة كأننا نسافر خارج القطر، لكن هو السودان ثاني أكبر بلد في إفريقيا والثالث في الوطن العربي من حيث المساحة.

اعتدلت طائرتنا في مسيرتها، ولم يلبث صوت قائد الطائرة الهادئ أن جاء من مكبرات الصوت يتلو علينا آيات من الذكر الحكيم، وكذلك أدعية السفر، ويخبرنا عن سرعة الطائرة وارتفاعها ودرجة الحرارة.

في رحلتنا يطول الوقت ويقصر، ويغفو المسافر ويصحو، وتألف أذناك هدير الطائرة وارتعاشاتها الصغيرة، ثم تحس بالبرودة فتتدثر، تلاحظ السهول والوديان وتعرف أن هذا البلد السودان كم هو غني بموارده المهدرة، فتنظر إلى الغابات والجبال على امتداد نظرك وبصرك، ثم ترى ودياناً وأنهراً صغيرة، وتجمعات بشرية تظهر وتختفي، وما لبثنا حتى حطَّت بنا هذه الحمامة المعدنية ساكنة في الأرض، على عَجَل حملت حقائبي، وودعت المطار، وخفضت زجاج العربة التي تقلني لأستمتع باللحظات الأولى للقاء أي مدينة جديدة.

مدينة الجنينة ترقد على ذراعي وادي كجا وتتنفس هواءً منعشاً، وتفوح منها رائحة التاريخ القديم والحديث، مدينة يغسلها نهر التسامح والود والحنان، جمعت بين الثقافة الفرانكفونية والثقافة السودانية، هي آخر مدينة سودانية على حدود التداخل التشادي والسوداني، هي جزء من دارفور تفوح منها روائح العطور الباريسية، وتتبختر في خيلاء عذوبة ماء وادي كجا وأزوم، وتأخذ الجنينة من اسمها شبهاً ووصفاً تحفها الأشجار المثمرة والظلال الوارفة، كذلك هي أرض سلطنة المساليت القبيلة المبدعة، وفيها منزل السلطان، أحد أبرز معالم المدينة، وقد وُلد من فخذها "محمد مفتاح الفيتوري"، ذلك الشاعر الظاهرة التي جمعت ثلاثة أقطار عربية.

ثم إنني ذهبت إلى جامعة الجنينة التي تقطن في أجمل مباني المدينة، وعلمت لاحقاً أن المبنى كان يتبع سابقاً لبعثة حفظ السلام الخاصة بإقليم دارفور "يونميد"، وما لفت نظري هو أنني وجدت مسرحاً لطلاب جامعة الجنينة يتناول القضايا الاجتماعية للمدينة لعل أبرزها بؤس الحرب وإفرازاتها النزوح والمعسكرات وانتشار السلاح، وهو دور إيجابي رائد يؤسس لوعي وواقع جديد في هذا الإقليم الذي أكلت من الحرب ما أكلت، وتذكرت هنا المقولة الأشهر "أعطني مسرحاً.. أعطك أمة".

ولكأنك تسألني: ما شأننا بدار أندوكا؟

على رسلك يا صديقي، فإن أحاديث السفر تنقلنا من بلادنا إلى بلاد جديدة، ولعل زاوية جديدة نرى بها هذا الإقليم دارفور، ويا ليت الرحلة قد طالت فأنا لم أمكث في هذا البلد الجميل سوى أربعة أيام، وماذا بوسع الإنسان أن يتعلم في بضعة أيام في مدينة عنوانها التداخل الاجتماعي ونافذة بين السودان وغرب إفريقيا، لكنني أحسست في تلك الفترة القصيرة أن دارفور شاسعة وغنية بالثروات الطبيعية ومتطلعة إلى المستقبل، وليس بينها وبينه حواجز من ذكريات الماضي.

وتجدني مقتبساً من أنيس منصور دوماً، هناك ثلاثة أنواع من الرحلات:
- أن تسافر.
- وأن تقرأ الكتب.
- وأن تقرأ كتب الرحلات!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.