المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن محمود قرني Headshot

أميستاد.. رحلة نحو العبودية

تم النشر: تم التحديث:

قبل أن تصبح إفريقيا مرتعاً للكواسر الأوروبية منذ القرن 16م كانت المدن والقرى المتناثرة على أهداب الأنهار وكتف المحيطات وجبين التلال مرحة وراقصة، تجاور الأرض والبحر والسماء، تحيطها حقول ومروج ممتدة وخلجات إنسانية أليفة تنسجم مع وهج الشمس والعيون الريفية الحالمة تحت إيقاع إفريقي دافئ، ولم يكن الإفريقيون يعرفون سوى البراءة والحروب القبلية والمناكفات العشائرية التي طوت في داخلها أنواعاً من العبودية الناعمة وإن لم تصل إلى درجة التجارة والبيع في سوق النخاسة، وبعد قدوم أوروبا الجشعة التي تدنّس القيم وتقدّس المال تناحرت القبائل وتسابقت القوميات من أجل كسب ود المحتل ومساعدته لبلوغ هدفه الاستعماري فقاموا ببيع بني جلدتهم وسُجل في غضون قرنين شحن أكثر من 18 مليون إفريقي إلى الغرب كعبيد.

لقد نشطت السفن الغربية في إفريقيا من أجل السيطرة على المصادر الطبيعية وتجارة الرقيق، وكابدت القارة حيال ذلك خسائر فادحة اقتصادياً واجتماعياً أدى إلى خلل في النسيج الاجتماعي وضياع الهوية والمعالم ومصادر الحيوية والطاقة، حيث كانت تتراوح معظم أعمار العبيد الذين تم شحنهم إلى الغرب ما بين 15 و45 عاماً، ورغم مرور مئات السنين من انتهاء الرق تتقلب إفريقيا ما بين استبداد محلي وملامح رسمها الاستعمار بوحشية تعف عنها الوحوش الكاسرة، وانتشر العنف وساد الجهل والمرض في أصقاعها.

أحاطتني غيمة من الكآبة وأنا أتابع المشاهد المحزنة للفيلم الدرامي "أميستاد" الذي يعالج الحدث الأسوأ في تاريخ البشرية إطلاقاً (تجارة العبيد)، الفيلم الذي رشح لجائزة أوسكار بعد صدوره عام 1997م من إنتاج ستيفن سبيلبرغ وبطولة مورغان فريمان ودجيمون هونسو وأنطوني هوبكنيز وآخرين جسّدوا المعاناة بكثير من المصداقية والإنسانية.

يستعرض الفيلم بطريقة دراماتيكية مبكية ألوان العذاب والهوان الذي مورس ضد الشعب الأعزل بعد اختطافهم من مرابعهم إلى المخافر، وبعد ساعات يجد المرء نفسه في صفوف طويلة وعارية تتجه نحو مرافئ الشحن! والمدهش المثير للاشمئزاز هو ترحيلهم إلى القهر على وقع أجراس الكنيسة وترانيم القساوسة، وكأنهم يبشرون العبيد في عالم الوحشية، ولا غرو فالمبشّرون ظلوا الوجه الناعم للمحتل، وكانوا روّاد التمهيد والاستكشاف.

بمباركة الكهنة وبكاء الأبرياء تتجه سفينة الصداقة التي أصبحت رمزاً للعبودية إلى الحياة القاسية، ليكون السود على متنها النواة الأولى لإنتاج الثروات وإنشاء الحقول وحفر القنوات وبناء السكك الحديدية وتحريك عجلة النهضة الصناعية للغرب الذي اختار شعوب إفريقيا بالذات من أجل البنية الجسمانية القوية والصبر وتحمل المشاق.

يتكدس الإفريقيون التعساء في داخل السفينة، والإسبان يمارسون السادية والإذلال، أبرياء مقيدون بالأصفاد والسلاسل، تجريد من الملابس، شتائم وعهر أخلاقي وكراهية وتفنن بالقتل، جوع وإهانة في تقديم الطعام، ملامح شاحبة، وحلاقيم ناشفة، هنا انتهت الإنسانية إنهم عبيد لا حقوق لهم، قصة مؤلمة لم تنتهِ فصولها وإن تدثرت بألفاظ رنّانة وأسماء ناعمة كهيئات أممية ومنظمات عالمية.

وبعد اختناقات في أقبية السفن والموت إرهاقاً يهاجم الإفريقيون البائسون وببسالة نادرة على القبطان، تحدث معركة رهيبة نفسياً وبدنياً ويفوز الإفريقيون بالسباق نحو النجاة ليطلب قائدهم العودة شرقاً نحو الديار، يتظاهر القبطان بالعودة فيما يواصلون رحلتهم نحو أميركا، وبما أن البسطاء الريفيين يتميزون بقراءة النجوم والاهتداء بها ليلاً منذ أن استوطنوا في الفيافي والأدغال الماطرة راقبوا النجوم بعد منتصف الليل وبواسطتها أدركوا أن الربان غدرهم والسفينة متجهة نحو الغرب والعبودية، وليست نحو الخلاص ودفء إفريقيا وحلمها الجميل.

تمتد المعاناة من سيراليون وسواحل إفريقيا الذهبية إلى شواطئ الغرب ومن القوارب الصغيرة إلى أميستاد إنها مأساة تمتد عبر التاريخ والجغرافيا والأحاسيس، وبعد رحلة شاقة وصلوا إلى أميركا وأصبحت حياتهم ملونة بالهواجس والظلامية والمخاوف، وفي لحظة بالغة القسوة يتم تقييدهم وربطهم بسلاسل مؤلمة تقودهم مجموعة من البيض في سخرية وازدراء إلى أسواق النخاسة، إنها تجليات حضارة الغرب المادية المبنية على العنصرية والاضطهاد.

يتنازع اللوردات وأصحاب الشركات على ملكيتهم ومصيرهم فيتم تجريدهم من الأسماء والأسمال والانتماء والآدمية، وفي الزنزانة الباردة الغارقة بالعتمة والأوساخ والطبقية ينام السود ويحاولون التمرد واستعادة الحرية ولو بالخيال، ولكن للآلة الحديثة رأي آخر حيث البارود تحسم المواقف لصالح الإمبريالية.

شعور العبودية والفقر والتنوع الثقافي وضياع المستقبل تغزوهم في أميركا، وفي وسط محكمة هزلية يهتفون "أعطونا الحرية.. أعطونا الحرية"، وتتحول الحرية إلى نغم ومبدأ يعيش من أجله الأبرياء، الحلول معدومة، والآمال تتضاءل، ولا يلوح في الأفق سوى مزيد من الظلم والغطرسة، في بيئة مأزومة بالسخرية وترى العبيد أرقاماً لا تخضع سوى لمعايير الربح والخسارة، يتصدر المشهد إفريقي تحرر عن العبودية ليحمل مسؤولية المساجين وتحريرهم وإرجاعهم إلى وطنهم، وفي أروقة المحاكم والقوانين يبحث عن العدالة، وقاضٍ لم ينسلخ عن الآدمية ولم تعمه شهوة المال والسلطان، ولكن كيف يجد والقوانين والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع الأميركي تكرّس العبودية وترسخ نظام الطبقية والتفوق العرقي، كما كَتب سولومون نورثوب في مذكراته 12 عاماً من العبودية؟

طالت الجلسات وزادت المعاناة، وفي صباح مفعم بالإهانة يتم سوقهم كالأنعام وهم مقيدون بالسلاسل والخنق والمشاعر السالبة، وتتم إدانتهم بالتمرد والقتل والقرصنة والجرائم القانونية! والمؤلم حقاً أنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم والتعبير عن آرائهم باختلاف الثقافات والألسن، وبمحاولة لإثارة الإنسانية في داخل الرئيس طَلبت منه جمعية إلغاء العبودية مناصرة القضية وتحرير الأبرياء، ولكن رواسب العنصرية في نفسه وعدم شعور الشفقة تجاههم حالت دونه ودون مساعدة المخطوفين.

تنعقد جلسات المحاكمة تلو الأخرى دون تقدم، ويسود الصخب والترقب في المحكمات، شهود ومحامون وسلاسل وإهانة متجددة. النقاش محتدم لتحديد مصير هؤلاء الذين وقعوا ضحية للشراهة الإسبانية. رعايا الإمبراطورية الإسبانية التي كان شعارها "لأبعد مدى" من السيطرة والقسوة كانت تجارة العبيد عمود اقتصادهم، ولن يقبلوا بسهولة انتهاء عصرهم الذهبي، في إحدى الجلسات تنتصر العدالة ويلوح في نهاية الأفق ضوء التحرير والعودة إلى الديار، وكعادة الطغاة سيتم في الخفاء وبعيداً عن الأنظار تغيير القضاة لإطالة القضية!

السماسرة يضحكون بجذل ويعلو شجن قاتم على ملامح الأفارقة، وترجع الأمور إلى المربع الأول ويكون الفوز لصالح من ينمق القصّة، ويملك السلطة وليس العدالة والصدق.

كادت الأحلام أن تتوارى واجتاح اليأس على مساحات الآمال في قلوب المنكوبين وأنصار العدالة، وفي لحظة بالغة الفرادة وانتصرت الآدمية على الطمع البشري، تبتسم لهم العدالة ويأمر القاضي بإطلاق سراحهم، وسجن تجّار الرقيق بائعي الكرامة والحياة بجرم اختطاف أناس أبرياء وُلدوا في إفريقيا بعيداً عن المقاطعات الأوروبية التي تسري عليها قانون الرق والعبودية، ونقل المساجين إلى مسقط رأسهم إن اختاروا وعلى نفقة الدولة.

فُتحت الأغلال عن معاصمهم، وتعالت الهتافات والزغاريد، إنهم أحرار وليسوا عبيداً ولا ممتلكات، كانت لحظة بالغة الجمال والفانتازيا؛ لأن العبودية جريمة كبرى في حق البشرية.

لقد جعلت الحضارة الغربية الإنسان الإفريقي تعيساً في بلده تنهب الأموال وتغدر الإنسان وتقسّم الأوطان.

لقد تم تحريرهم واتجهوا نحو إفريقيا وأغانيها ومرح الطبول والأحراش المليئة بالأمل والحياة والبؤس، ولكن كانت هي الأخرى غارقة في الصراعات والنخاسة وحرق القرى، وبقيت ندوب العبودية وحكاياتهم تدرس في أروقة التاريخ، رغم أن إفريقيا بعد الاستقلال الشكلي تناست تلك المأساة والفصول الحالكة لمسيرتها الطويلة نحو الحرية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.