المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن محمود قرني Headshot

بين إهانة المعابر وفقدان الأوطان "1"

تم النشر: تم التحديث:

في إحدى العواصم الأوروبية المتطورة التي هاجر إليها الصوماليون بعد أن غمرتهم الحروب والسجون القبلية، كان الجوّ بارداً قارساً وأشعة الشمس تكاسلت عن الشروق منذ شهرين، عمارات شاهقة يصدح عنها إيقاع غنائي أوروبي متدثر بالثلوج والرتابة، وشوارع غافية فوق تلال ابتلعتها العتمة اللذيذة، ضمن صوماليين كبلتهم الغربة، وأبردهم الصقيع، أحبطتني البطالة، وسئمت عن مراقبة المارة والسمر مع زرائب الشجن الجامح نحو الجنوب المثقل بالاحتراب الداخلي، ونحو وطن يمتد آلاف الكيلومترات على محاذاة الساحل، وحضارة تتأمل وجه المحيط وترانيم القوافي بعمق وامتنان.

منذ أن وصلت إلى السويد أو جنة الدنيا كما يحلو لعشاقها بعد أهوال ومتاعب ملونة بالموت عطشاً في الرمال، أو غرقاً في أمواج البحار، أو إهانة في داخل زنازين الاستبداد، كنت ألازم المخيمات الانتقالية للاجئين الفارين من بلاد أثخنتها التقلبات السياسية والأزمات الاجتماعية والكوارث الاقتصادية إلى بلاد الضباب، ونحو أوروبا التي تدفق سكانها نحو إفريقيا منذ القرن 15م لنهب ثروتها وتقزيم إنسانها واحتلال أرضها.

في المنافي الباردة، وفي طي الأحزمة الجغرافية البعيدة عن أرض الأجداد والحياة الرعوية، كنت أستأنس أحاديث الأفارقة وملامحهم الهادئة في العتمات الأوروبية الباهرة بالحكايات وقصص الهاربين من جحيم الاستبداد، ما أشبه حكايات المعاناة وفصول الألم في جبين كل إفريقي، فقراء أنهكهم التعب، وقبائل متناحرة على أطلال أوطان تحولت إلى شظايا ورماد، الأجداد رَووا التراب بالدماء والتضحيات، وأنقذوا الوطن من الاحتلال وأنياب التسلط الأوروبي، وجعلوا أرواحهم مهراً للأرض والإنسان، أما الأحفاد فلم يكونوا من طينة الآباء أبداً؛ بل بات همّهم جمع الثروة ونهب المقدرات، وطمس المعالم الحضارية والثقافية بعنجهية وسذاجة قاتلة.

عنف يضج بالهمجية، وتعذيب في أعماق السجون، أحاديث جُونثان القادم من تامالي، المدينة الواقعة في شمال غانا، والسدود المنتجة للكهرباء، ذكرني بالحكايات الصومالية والمشاهد المليئة بالمعاناة وانتظار الفرج، أخبار أسرته الكبيرة صادمة ومذهلة، ومصير أترابه الذين انخرطوا منذ الصغر مع أطفال الشوارع تقطع نياط القلوب، أما السوداني النبيل هاشم بابكر الدومة، المهاجر من كردفان المنسوجة بجمال الطبيعة وجحيم المعارك، استطاع أن يؤرخ للوجع السوداني.

تحدثنا عن إفريقيا وتفردها، وتجولنا في شرقها المأزوم منذ قرون، وتصفحنا أروقة الألحان الكلاسيكية والسلم الخماسي المشترك بين الصومال والسودان.

كان الليل مظلماً وفيض الندى يهاجم الأبدان السمراء في صقيع الشمال، كنت أقرأ الكتاب الثري للاجئة البولندية باربرة بورايسكا من المرتفعات إلى السافانا (From the Steppes to the Savannah) يعذبها الحنين في أدغال إفريقيا ويوجعني الشجن في أحراش أوروبا.

الكتاب في معظمه توثيق للعادات والتقاليد وأنماط الحياة ومعاناة اللاجئين في قلب إفريقيا الماطرة، وخصوصاً أوغندا التي احتضنت الجالية البولندية المهاجرة من أوروبا إلى شرق إفريقيا، بعد أن احتل الجيش الأحمر بلدهم، وأصبحوا بين مطرقة النازيين وسندان السوفييت، اللجوء والتشريد، والموت جوعاً، كلمات من قاموس المعارك التي أهلكت البشرية دون أن نرى بصيص أمل للخروج من شرنقة الصراعات التي تقودنا نحو الهلاك الجماعي وانقراض البشرية عن الوجود، ما أصعب إهانة المعابر وفقدان الأوطان وميادين الذاكرة!

طالما سألت نفسي وأنا أراقب لقاء الثقافات من شرفة خيمتي ثلاثية "الفقر، الجهل، المرض" وعلاقتها بالتخلف والأمزجة العفنة للقادة الفاسدين، وكيف يمكن أن تعطيني دولة أجنبية الحنان وتغدقني بمالها العام، وتمنحني اللجوء والصحة والتعليم أنا وكل المهاجرين الذين جاءوا من كل حدب وصوب؟

بلادهم تهجرهم، والغريب المغاير يعطيهم إكسير الحياة والأمان، والطبيعة تمنحهم برودة وسلاماً فقدوهما منذ أن أصبحت بلادهم قاتمة كئيبة تقطر من جبينها البؤس والدمار والتشظي.

لا أدري ولا أملك الجواب الصحيح، ولكن ما أعرفه جيداً أن ذبول رحيق الحياة حرك خيالي فغادرت مدينة تحلم على ضفاف النهر منذ مئات السنين، كانت الحياة مشاهد مروعة من الدراما الحزينة في ظل حركات همجية تكمم الأفواه وتقتل الأبرياء وتسرق الأعمار، وقبائل متناحرة على وطن ينزف منذ ربع قرن، كانت عيون أمي تبكي دماً قانياً عندما أخبرتها بالهرب نحو المجهول ونحو بلاد النصارى، كانت أمي صومالية أصيلة متدينة لا يفارق وجهها السجود، وبيدها السبحة والسواك، تركت ميدان حداثتي وملعب طفولتي ومسقط رأسي باحثاً عن الحياة، وكرامة إنسانية فقدتها في وطني وعقر داري، ولكن من الصعب التكيف مع هدير الحياة وسرعتها هنا في غرب أوروبا، وفرص العمل شحيحة جداً لمن لا يعرف اللغة المحلية، ولا يحمل شهادة مرموقة.

منذ ثلاثة أسابيع وقتلاً للملل كنت أمارس رياضة المشي من الخيمة إلى جمل جمدته الطبيعة، الطرق المفروشة بالندى مزدحمة بالمهاجرين والحالمين على قمة جبل كيبنيكايسة الشاهق.

سحناتهم المختلفة وقاماتهم المتنوعة تشكل منظراً بديعاً يضاهي تشابك الألوان في المراعي البديعة على مشارف مدينة بورما الصومالية السياحية أو شلال فيكتوريا في زيمبابوي الغارقة بهلوسات العجوز وإرث الكولونيالية الغربية، الخيمات الساكنة تفوح عنها رائحة البلاد المنكوبة، لغات متباينة ونظرات مختلفة وأيديولوجيات متصارعة خارج الخيمة ومتصالحة في داخلها، وقصص مبكية يتبادلها المهاجرون، لا توجد لغة مشتركة فيما بينهم غير لغة المعاناة والإنسانية، يتحاورون عبر المشاعر الصادقة ولغة العيون، ويتهامسون بعد أن كوّنوا زمالة حقيقية بعد انتشالهم من براثن الردى وأنياب القواقع البحرية، وما أصدق لغة المشاعر في ظل الغربة، حيث يكون المرء ضائعاً أمام موجات من البشر قدموا من كل رابية وزاوية من كوننا الفسيح!

تنتهي الرياضة في العاشرة مساء بتوقيت جناح إفريقيا، منذ أن قدمت هنا وأنا أجد صعوبة بالغة في التكيف مع الفارق الزمني والحضاري بين بلدي وبين السويد، وبعد حمام دافئ وقبل أن أخلد إلى النوم أتعرض لطوفان من عالم الخيال والتصورات وأدخل في عمق المقارنات رغم عبثيتها، منذ المجيء إلى هنا قبل ستة أشهر تغيرت الحياة واختلفت الأنماط كثيراً، الكل هنا يهرول نحو هدف غير واضح، الكل محبط ومتعب العيون، الألسنة التي تلوك بالحكايات والقصص لا تجد من يرويها، والمشاعر الإنسانية النبيلة تموت قبل أن ترى النور،

ومنذ أن جئت إلى بلاد قبيلة (Suiones) التي كانت من أقوى القبائل الأوروبية منذ قرون لم ألتقِ سويدياً يحب مخالطة المهاجرين سوى رجل عجوز نحيف احدودب ظهره، وتركت الأعوام السبعون تجاعيد على جبينه وتجوية ظاهرة على ملامحه، منذ أن التقينا ما زال يفتخر بجذوره النضالية وأجداده؛ حيث كان آباؤه روّاد حرب 1814م بين السويد والنرويج، السادية والأصل الشريف إضافة إلى مركزية الحضارة الغربية خصلة يحملها كل أوروبي في جيناته.

التقينا في مقهى ملاصق للمخيم وهو يمارس هوايته المفضلة، التزحلق أو بالأحرى يتذكر أيامه، ويعيد شريط حياته المفعمة بألوان السعادة والبساطة؛ حيث كانت الحارات الثلجية والتاريخ الكامن في التلال البيضاء تذكره بمسرات سبعة عقود مضت على وقع نغمات طالما كانت مكمن غوايته (Det vackraste).

كانت الأرض تتوسد بصقيع الغربة وترتدي بوشاح الحنين، لم أكن أتقن اللغة السويدية ولا لغة غير تلك التي رضعتها مع لبن أمي، وهي لغة ثرية من حيث المفردات والألفاظ والتراكيب، ولها أدب وفن زاخران بالجمال والحكم والأمثال الشعبية رغم أنها تعاني منذ عقود، ولم تجد الاعتناء المناسب من أمة غارقة في الصراعات والاحتراب الداخلي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.