المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسان جنيدي Headshot

ثوار سوريا.. ما بين الثورة والدولار

تم النشر: تم التحديث:

بدأت في الفترة الأخيرة أسأل نفسي هل ما زلنا ثواراً، فصفات الثائر الحقيقي التي أمليها على نفسي قبل أن أمليها على الغير هي إيمانه المطلق بالثورة ونصرته للمظلومين ما استطاع إليه سبيلاً.

هناك الكثير من الأحداث والقصص التي حصلت في الثورة السورية وتستحق جميعها التدوين والحفظ؛ لأن ذاكرة الشعوب ضعيفة، وتستحق تلك القصص أن تؤرشف.

سأذكر أحد الأحداث التي حصلت في أحد المشافي الميدانية في مدينة حلب، والتي طبعت في ذاكرتي، كنا قد انتهينا من تشكيل المجلس الطبي لمدينة حلب، الذي ضم عدداً من المشافي الميدانية ومراكز الرعاية الصحية بداخل المدينة، كانت الكوادر الطبية والإدارية القائمين على العمل من أشرف الناس الذين صادفتهم بحياتي، وبدأت القصة كالتالي:

أتت لعندنا إحدى المنظمات الطبية المحلية الثورية وعرضت على الكوادر أن يتم دفع مكافآت مالية لهم بغرض تغطية جزء من أعباء نفقاتهم، ولم يتم طرح الموضوع بصيغة رواتب، لعلم المؤسسة المانحة بحساسية الموضوع.

اعترضت الكوادر الطبية جميعها ولم يقبلوا بأخذ أي مبلغ مالي، واقترحوا أن يتم إعطاؤها للكوادر الخدمية الموجودين بالمشفى إن قبلوا.
وتم إيضاح السبب، أننا هنا لأننا ثوار ولنخدم أهلنا، ولم نخرج لنكون موظفين، استمرت الحالة هكذا، ودارت عجلة الثورة بلا رؤية وبلا استراتيجية للتغيير إلى أن وصلنا لما وصلنا إليه.

لم يتوقع أحد من الكوادر أن يطول الأمر بالثورة هكذا، وضاقت على الكوادر الطبية مالياً، واستنزف جزء كبير منهم أغلب مخزونهم المالي، وبدأوا يتقاضون من المؤسسات الإغاثية فقط ما يتدبر أمورهم المالية.
حتى إن جزءاً منهم كان يوزع المال الذي يفيض عن حاجته، ذلك أنه مال زكاة ولا يجوز الاكتناز به، هكذا كانوا ثوارنا!

ومع بدء تدفق الأموال بغزارة هنا بدأت طوابير من الناس تطلب العمل في مؤسسات الثورة، ولكن الأمر كان أكثر انضباطاً بالداخل، وبالأخص بالقطاع الطبي فأغلب الأشخاص الذين يأتون معروف تاريخهم من قبل أطباء الثورة.

ولكن الإشكال الحقيقي كان بمؤسساتنا في تركيا، فنتيجة العمل ضمن أجواء المنظمات العاملة بالشأن الإنساني منذ خمس سنوات، تجد أن الكثير من المنظمات السورية أصبح هدفها الأول هو "الحصول على الدعم المالي والتبرعات بأي ثمن"، في حين أن بعضها الآخر يحاول الظهور بمظهر معيّن أمام الرأي العام السوري من أجل القدرة على التأثير بالقرار السياسي لاحقاً، ولا يبدو أبداً أن العمل الإنساني الهدف منه هو الإنسان.

السؤال البسيط هنا وأبدأ به بنفسي وأنا أرى كيف تحولت مؤسساتنا الإغاثية لأماكن تصنف من أعلى المؤسسات التي من الممكن أن توفر دخلاً مالياً بحسب دراسة أجريت من قبل إحدى المنظمات الدولية، هل ما زلنا ثواراً؟

أصبحت المشكلة لاحقا "أكثر عمقاً"، حيث أصبحت المنظمات الإغاثية وجهة لكوادر بدأوا يتوافدون إليها من مناطق النظام باتجاه تركيا لأجل الدولار، ولا يستحيي أن يقول لك أنا لست مع الثورة، ولا يعنيني ما يحصل، أنا قادم للعمل هنا كبيزنس!

أعلم أنه مطلوب منا أن نبني النظم الإدارية بمؤسساتنا، وسنبقى نبني ولن ينسينا البناء مطالب الثورة.

ولكن أتساءل دوماً كيف لثائر أن يتعامل مع بيئة عمل كهذه؟
لا أريد أن يفهم من كلامي أن نبني مؤسسات طاردة للمهارات ذات الكفاءة، ولكن القصد أن لا نمكن مؤسساتنا الثورية من أشخاص ونضعهم على رأس الهرم الوظيفي، ونحن نعلم أنهم لم يأتوا سوى لأجل الدولار. وإذا حصل وانتصر النظام سنجدهم عائدين لحظيرة الطاعة هذا إن لم يكونوا على تواصل معه بالأصل.
"لنعمل معاً لتحرير مؤسساتنا حتى لا تسرق منا الثورة".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.