المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسان جنيدي Headshot

ثقافة الهدم

تم النشر: تم التحديث:

عند تعقّب أسباب ازدهار ونجاح أي مجتمع وظيفي يمكننا ملاحظة عدة عوامل للنجاح بارزة للعيان، كحسن التنظيم، والتخطيط المستقبلي، وغيرهما من الأسباب الظاهرة.

في اعتقادي أن أهم سبب رئيسي في ازدهار المجتمعات هو احترام وتقدير كامل جهود أفراده، بحيث يتم تقدير كل الجهود واحترامها والاهتمام بجميع المشاركات، ودفعها لتتكامل وتتخذ شكلاً نهائياً يرفع اسم المجتمع ويميزه.

وعلى العكس في المجتمعات الفاشلة، التي لا تحترم الإنجازات أو تقدرها، ولا تعطي للإبداع أي قيمة، وهو ما يدفع باتجاه انتشار التخلف وثقافة الهدم.

إن ازدهار المجتمعات الوظيفية في الدول المتقدمة لم يأتِ إليها منحة من السماء، وهي مسترخية تمارس النميمة وتمارس التجريح وثقافة الهدم، وإنما هو ثمرة تكامل لجميع الجهود، فلا اللاحق يلغي جهد السابق، ولا الآتي يسخر من إنجازات الغابر، وإنما كل جديد يضاف إلى جهد تراكمي تم بذله سابقاً، والذي يملكه المجتمع، سواء كأفراد أو منظومات.

ولعل أوضح تجسيد لمفهوم التكامل في المجتمع عبَّر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً).

لكن مَن يتأمل واقعنا اليوم ويلاحظ سلوكنا كأفراد أو مجتمعات يجد أن بيننا وبين هذه الأخلاق والقيم قطيعة تامة ومسافات واسعة، وهذا هو السبب الأول للتخلف في كل مكان، فالمشكلة أخلاقية بالدرجة الأولى، فسلوك المجتمع وسلوك أفراده هو الذي يسفر عن نتائج جيدة أو سيئة بحسب مقدار ما تتحلى به من أخلاق.

إن الاكتشاف الأكبر الذي بدأت به الدول المتقدمة هو احترام الإنسان وتقدير جهده واحترام مشاعره والرغبة في إسعاده، والعمل على تنمية قدراته ومهاراته، وما زالت تلك المجتمعات تولي هذا الأمر نصيباً مهماً من عملها.

وما يجذبك -غالباً- للاستمرار في عملك مع مؤسسة معينة وتفضيلها على أخريات كثر هو ليس بالضرورة ما تملكه من إمكانيات مادية، وإنما أسلوبها الراقي في التعامل مع الإنسان، واحترام كرامته، وحفظ حقه، وتنظيم جهده، وتمرينه على احترام جهد غيره، وهذا ما لمسته بشكل واضح خلال احتكاكي مع بعض المؤسسات الدولية المحترفة.

وفي المقابل، تجد بعض المؤسسات، وخاصة المحلية منها، تفعل العكس تماماً، فما إن يقرر أحد كوادرها الانسحاب من العمل لأسباب تتعلق بالعمل أو قدوم فرصة أفضل، يتم العمل على شيطنته، ونسج القصص والأساطير عنه، من قبيل: نحن قررنا تسريحه؛ لأنه ليس ناجحاً إدارياً، أو نحن قررنا تسريحه؛ لأنه لم يستطِع مجاراتنا بالعمل، وذلك في نفس الوقت الذي ترسل له الوفود محاولة لإقصائه عن قراره.

إن العلاقة مع الإنسان الفرد في بعض المؤسسات المحلية تقوم على الشك والظن بشكل يجسّد عقلية الصياد البدائية، وإذا ما افترضنا أن الفرد في المجتمعات الوظيفية المتقدمة يعمل وهو مطمئن على سمعته، فإن الإنسان في المجتمعات المتخلفة يعيش في حالة توجس مستمر، ويعاني من المكابدة النفسية المرهقة مهما بلغت كفاءته وإخلاصه ونزاهته وتفانيه، بل ربما تتضاعف معاناته بقدر تجسيده لمثل هذه الصفات الرفيعة؛ لأن الإنجاز في حد ذاته في المجتمعات المتخلفة يظل تهمة دائمة وعبئاً لا يكف عن ملاحقة صاحبه، فالقاعدون لا يجدون ما يخشون عليه، أما الذين ينجزون -ولو شيئاً بسيطاً- في المجتمعات المتخلفة فإنهم سيضطرون لاستنزاف طاقاتهم من أجل الدفاع عما أنجزوه، سواء كان إنجازاً في مجال الفكر أو العمل.

فالمجتمعات المتخلفة لم تتخلف إلا لأنه مجتمع ينفي بعضه بعضاً، إنه مهووس في التجريح، فهو مصاب بالتآكل بدل التكامل، وبالتنافي بدل التنامي، وبالإلغاء بدل الإبقاء، وبالهدم بدل البناء..


وخير مثال على ذلك، أنه عند استقالة أي موظف في المجتمعات الوظيفية المتخلفة يكون أول تصريح للمدير عند تعيين الموظف الجديد، بأننا سنقضي على التسيب الذي أحدثه الموظف السابق ونقضي على الفساد، ونلغي البيروقراطية التي تعرقل مسيرة العمل، ونادراً ما تسمع أنه تم تعيين الموظف الجديد ليواصل مسيرة السابق، ويثني على جهود سلفه.

اعتقدت المجتمعات المتخلفة أن زيادة الخريجين من الجامعات هي الطريق القويم لإصلاح شأنه، ولم يفطنوا إلى أن القوام الأول للتحضر روح أخلاقية رفيعة تسري في كيان المجتمع كله، ويتأثر بها سائق الشاحنة مثلما يتأثر بها أستاذ الجامعة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.