المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن الشواف Headshot

وكل سنة وأنت طيب

تم النشر: تم التحديث:

الكل يريد بقشيشاً

أن تعطي بقشيشاً يعني أن تعطي السعادة والنشوة، أنت وأنا نعرف أن ذلك يفتح جميع الأبواب المغلقة وبُبسّم الوجوه الواجمة، ومن الخطأ أن نخلط بينها وبين الرشوة، فالرشوة عمل دنيء تقوم به مجبراً لجعل أمر محظور يمر أو أمر شرعي، لكن تعطيه مالاً ليهرول ويتغاضى عن بعض الأوراق.

إنما البقشيش فهو عمل نبيل تعطيه عن طيب خاطر وبإرادتك ولا تنتظر شيئاً منه حتى الثناء، لكن هل أصبح البقشيش في مصر كذلك؟!

تطور البقشيش

لشخص يحب الذهاب للسينما مثلي أعرف هذا التطور الذي طرأ على البقشيش، في البداية أنت تعطيه لمن يتلطف معك - دون مبالغة - أو لأنك تفعل ذلك دوماً أو لأنك تريد ببساطة، أما الآن فتنهال عليك عبارات "كل سنة وأنت طيب" و"نورت" و"أنت اخترت أفضل مكان في السينما في مدار تاريخنا الحديث".

في مرة ظل العامل الذي يوصلني للكرسي - وهو من المفترض أنه يتقاضى أجراً عليه وأساس عمله - كل سنة وأنت طيب، ولا توجد أي مناسبة إسلامية كانت أو قومية أو في الكوكب كله، ظننت أنه يتحدث عن أعياد المريخيين أو العيد القومي لزحل؛ لتكون الحلقات حول خصره الضخم.

لكن سرعان ما اعتدت على الأمر، خاصة أن الأمر لا يتجاوز الجنيه أو الجنيهين، يوماً تكون سعيداً وتريد أن تمطر السعادة على مَن حولك تدفع خمسة.

لكن الأمر تطور - أو تضحمل - للدرجة أن الجنيه أو الاثنين لا يعجبانه، في مرة دفعت لأحدهم جنيهاً نظر إليه في استخفاف وأعاده إليَّ قائلاً: "لا خلاص"، لا أعرف أي فعل من الوقاحة ذلك، إن كانت لك تسعيرة لتقوم بعملك فعلقها على صدرك أو صِح بها.

لا أريد أن أطيل في قاعات السينما؛ لأني أدرك أن قد يقول أحدكم إن هذا ترف، السينما ترف، شيء لا يمس الجميع، بالطبع بعيداً عن أيام الأعياد فيصبح هذا حقاً للشعب كله كالخبز.

أياً ما يكون، في مرة وأنا عند شباك حجز التذكرة، دفعت للعاملة بخمسين جنيهاً وثمن التذكرة أربعين في الحفل الصباحي، فدفعت لي بخمس جنيهات وقالت مبتسمة: "التذكرة بأربعين وكل سنة وأنت طيب" لحظة واحدة.. هل سُرقت للتو؟! هل تقول لي متخفية أنت أحمق ولن تفعل شيئاً أمام ابتسامتي والطابور الطويل من خلفك، فهيا انتحِ جانباً كي أسرق أحمق غيرك؟! في الحقيقة هي مُحقة فكنت أحمق جباناً لم أنبس ببنت شفة ودخلت القاعة في غيظ وغضب.

السايس

إنني أشفق على الكثيرين منهم؛ لأن هذا مصدر عملهم الوحيد، لكن بالطبع هذا لا ينكر أن هذه مجموعات بلطجة كبيرة، تقتاد على "عجلة ورا يا أستاذ" و"حضّن"، ثم تقول لك تسعيرة الركنة هنا غير البقشيش الذي ستدفعه نظير عمله المجحف والمذهل.

حتى أصبح الهروب منه ضرورة كالنجاة من جندي نازي متربص بك.

حلاوة النجاح

بما أن هذا أصبح جبراً فأضمه إلى فروع البقشيش الحديث

لا أعرف تحت أي قاعدة أعطي لشخص لم يشارك في عملية النجاح بشيء ولم يذق مرّه ثم يأتي على الجاهز ويأخذ حلاوته، إن أولى الناس بهذه الحلاوة هم أطراف العملية التعليمية ومّن يذوقون مرّه ويتجرعونه كل يوم، الطالب والمُعلم ووليّ الأمر، ولأن المُعلم يأخذ راتباً على ذلك، فالأجدر بها الطالب ووليّ الأمر، ما شأن حارس العقار وعامل النظافة والفراش وعابر السبيل في هذا الأمر؟!

الضرائب

بالطبع لا أُعِد الضرائب كنوع من أنواع التفضل أو الزيادة بل واجب قومي يتحتم عليك، لكن في مصر تختلف كل المعايير والأسباب؛ لأن الضرائب في مصر تزداد والدعم ينساب من أسفل الفقراء شيئاً فشيئاً وتُأخذ القروض دون أي جدوى واضحة أو جلية حتى في المستقبل.

في فيلم مايكل مور الوثائقي الممتع "سايكو" الذي ينتقد فيه نظام التأمين الصحي بالولايات المتحدة ثم يقارنه بدول أخرى أوروبية، نرى أن هذه الدول تُقدم خدمات طبيعية عالية الكفاءة والجودة مجاناً، لكن يغرقون المنتجات بالضرائب، حتى إن عائلة فرنسية من الطبقة المتوسطة تقول إن أكثر الأشياء إنفاقاً عندهم هي الخضراوات والفاكهة.

لكن هنا الضرائب مفهومة أمامها خدمات واضحة محترمة، لكن في مصر أين الخدمات؟!

أين المشاريع والرعاية التي أدفع من أجلها الضرائب، فأنا أدفع نظير كل شيء عدا الهواء تقريباً، الضرائب ضرورة؛ لأنها تقوم بخدمات وتضمن العناية والرعاية في شتى الأمور، لكن عندما يختل ذلك تصبح الحكومة كعامل سينما بحجم مصر كلها.

وكل عام وأنتم طيبون أيها الحمقى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.