المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن الشواف Headshot

هدم أسطورة زمن الماضي الجميل

تم النشر: تم التحديث:

"لا تقولوا: رحم الله آباءنا وأجدادنا؛ لأنهم كانوا خيراً منا، وأفضل خلقاً، فما كانوا يقلّون عنا رداءة وسفالة" يوسف السباعي - "أرض النفاق".

هل كان الماضي أجمل أم نحن؟

سأل أحدهم على إحدى جروبات الأفلام عن أفضل نسخة من فيلم الرجل العنكبوت "spider man" القديمة أم الحديثة؟

ما أكثر هذه المقارنات التي لا أهتم بها، لكن هذا أثار فيَّ نزعة ما، نزعة الماضي وروعته، أتذكر عندما كنت صغيراً أتابع هذا الفيلم كنت أشعر بكل ما فيه، وأتعايش معه، كنت أشعر بيدي وهي تتحسس ملمس بذلة الرجل العنكبوت، وتحليقه فوق الأبنية بالنسيج العنكبوتي، والقُبلة المقلوبة الشهيرة في الفيلم التي كلما أتذكرها أشعر بشعور غريب -ليس جنسياً- مع أنني شاهدت مئات القُبل في أفلام ومسلسلات أخرى، ولم يكن عليَّ وقْع منها، هنا جاء سؤال مهم:

هل ذلك كان لأني كنت أفضل؟ شعور حواسي كان أفضل من الآن؟ أم أن الفيلم كان رائعاً لتلك الدرجة التي أتذكرها؟

عندما يشاهد أحدنا إعلاناً قديماً شاهده في صغره، فإن هذا يعطي له نشوة غير عادية، وشعوراً غريباً بالسعادة الفطرية، هل هذا يعني أن هذا الإعلان أفضل من الإعلانات الآن؟

في رأيي، لا بالطبع، صدقني لو أُعيدت هذه الإعلانات اليوم لما وجدت لها مكاناً إلا في القنوات المُبتذلة التي تبيع دقيقة الإعلان بثلاثين جنيهاً، هذه حقيقة لو تجردت من الماضي وشعور السعادة بها لضحكتَ وسخرتَ منها، وأصبح حديث السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

في رأيي هذا سببه أمران؛ إما أن الحاضر دائماً سيئ؛ لذلك نرى كل ما هو ماضٍ جميلاً، أو أننا نهرب من واقعنا بالماضي، وصنع أسطورة عن هذا الماضي الذي كان فيه الرضا والسعادة والإيمان بالله، والبركة التي كانت منتشرة في المال، والأخلاق الرفيعة في المجتمع، وأياً كانت الأسباب فهذا جِدّ خطير، أن نغرق في الماضي، وننسى أن هناك حاضراً يجب الانتباه إليه أكثر لا الهروب منه.

حكايات الماضي

نرى كل الكبار -من خمسة وأربعين عاماً فما فوق- يتحدثون عن أسعار اللحوم والأرز والزيت التي كانت بخساً فلا تساوي سوى قروش، فيندهش مَن أمامهم، خاصة الشباب والصغار، بتخيُّلهم أنهم يستطيعون أن يأكلوا لأسابيع بثمن وجبة إفطار من الآن.

هذا هراء بالطبع، كم كانت تساوي القروش حينها؟ مصروفك الصغير في المدرسة الذي هو غالباً ربع جنيه الذي تفتخر به أمام الصغار الذين يأخذون اليوم عشرة جنيهات مرة واحدة لا يعجبهم، ما مقدار الربع جنيه اليومي الذي كنتَ تأخذه في صغرك في مرتب عائلتك؟ كانت تملك كم ربع جنيه في الشهر كي يعطوك منه كل يوماً.. قدِّر؟

وما القيمة الشرائية لهذا الربع جنيه مقارنة بالنقود التي ليس بها بركة الآن، صدّقني هذا ليس للبركة التي كانت في نقود الماضي وذهبت عنا في هذا العصر القذر، بل هذا من نتاج الاقتصاد ومعدلات التضخم وأشياء أخرى كثيرة كنت أنت وماضيك جزءاً كبيراً منها.

عندما تقرأ روايات أو تشاهد أفلاماً اجتماعية في ماضيهم الجميل المختلق لتكتشف أن وضع الدنو لم يختلف كثيراً، زاد بشكل ما، لكن ليسَ هي الجنة التي يتحدثون عنها، أوضحها كانت رواية "أرض النفاق" ليوسف السباعي، التي نشرت عام 1949، وتحولت لفيلم شهير بطولة فؤاد المهندس عام 1968، ويمكن الآن أن نعيد إنتاجه في أعمال فنية شتى بنفس المشكلات.

صناعة تزييف الماضي

لم يكن الحنين إلى الماضي إلى درجة اختلاق أشياء لم تكن فيه، أو النظرة المبالغة فيها إليه، من فعل أفراد أو جيل، بل كان -وما زال- عملاً حكومياً يتقاضى عليه كثيرون رواتب، ألا وهي كتب التاريخ الدراسية، ولنا في محمد علي مثال.

محمد علي لم يكُن يريد مصر قوية ليرتقي بها، بل كان يريدها جيشاً نظامياً يثبت به حكمه ويتوسع -وهو أول مَن ابتدع في مصر التجنيد الإجباري المطبق إلى الآن- فكانت مصر الوسيلة، وليس الهدف، بدليل أن المدارس التي أنشئت في عصره أُغلقت بمجرد أن تم تحجيم الجيش في اتفاقية 1841، وهنا طرحت ما قد يكون لمعظم الناس صادماً لهذه الحقبة في تاريخ مصر، مَن يريد أن يرى رؤية غير التي تشربها وآمَن بها، فأنصحه بكتاب "كل رجال الباشا"، يتزود به بما هو أكثر من طرح عابر في مقال.

هناك تعليق أعجبني على صفحة الملك فاروق -الغارقة في نستولوجيا الملكية وجمال أيامها- عندما عرضت صورة لأحد شوارع القاهرة قديماً، وكيف هي جميلة ومنظمة ونظيفة، كان التعليق يتساءل عن باقي محافظات وقرى مصر: هل كانت بنفس الاهتمام والنظافة؟ وأردف: "تخيَّل أن أحداً في المستقبل جلب صورة من بورتو كايرو وترحم على أيام مصر الجميلة في عهد السيسي هل سيكون ذلك صحيحاً؟"، هو تعليق ذكي مُختصِر لحديث كثير كنت أود قوله.

آخر القول: الماضي لم يكن فردوساً ولا جحيماً، كان حياة كالحياة، ربما أقل وطأة مما نحن فيه الآن، لكن الهروب إليه باستمرار وتقديسه والبسملة باسمه هو انتحار في الحاضر والمستقبل؛ بل لو تحاملت على الماضي قليلاً لقُلتَ إنه ما مهد لما نحن فيه من دنو وانحطاط الآن، هذا الماضي الجميل الذي اختلقتموه كان سبب تعاستنا، يجب أن نصلح من حاضرنا، ونتعلم من الماضي، ولا نغرق في عسله الموهوم، حتى يأتي مستقبل تُعدل فيه المائلة، ويكون حاضرنا حقاً زمن ماضٍ جميل للمستقبل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.