المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن أبو العباس Headshot

‏مستقبل الرفاهية في خطر.. هل تصبح سينما الترسو ملاذًا للمصريين؟

تم النشر: تم التحديث:

2017-04-14-1492129554-5273677-17965711_10210284764209909_1744903614_n.jpg

بمجرد أن تطأ قدمك منطقة بولاق أبو العلا في وسط القاهرة، سيجذبك أفيشًا لأحد الأفلام التجارية مرسومًا بألوان فاقعة قليلة الجودة ومثبتًا بطريقة رديئة على أعلى مبنى متهالك، لا يجلس بداخله سوى عجوز يبيع التذاكر لمن يرغب في إشباع رغباته السينمائية.

في شارع ٢٦ يوليو بمنطقة بولاق أبو العلا المزدحمة بالباعة الجائلين المتخصصين في بيع "البالة" والتي تلقى رواجا كبيرًا، تقع "الكورسال"؛ والتي ما زالت تحتفظ بواجهتها عن طريق وضع الأفيشات المرسومة يدويًا.

"الكورسال" ضمن أسماء عديدة تندرج تحت مسمى سينما الدرجة الثالثة، والتي انتهت معظمها من شوارع العاصمة بعد عزوف عدد كبير من المصريين عنها وانتشار الإنترنت والقنوات الفضائية التي تذيع الأفلام دون رقيب.

وشهدت الفترة الأخيرة عزوفًا كبيرًا عن الذهاب إلى السينمات تقليلا للنفقات، أو التنازل عن مستويات معينة في طبيعة دور العرض والذهاب إلى دور عرض "درجة ثانية" أو دور عرض "ترسو".

2017-04-14-1492130342-1213135-PLCCinema_Ragadan_Main1.jpg

وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت، في أكتوبر الماضي، عددًا من الإجراءات الاقتصادية ضمن برنامج للإصلاح بدأ بتحرير سعر الجنيه، ورفع الدعم عن المحروقات، بالإضافة لقرارات سابقة مثل ضريبة القيمة المضافة.

ووفقًا لتقارير رسمية، فقد سجل مؤشر التضخم السنوي في مصر مستويات قياسية جديدة، حيث قفز إلى 32.5% خلال شهر مارس الماضي، مقارنة بـ 31.7% سجلها في يناير، ويعد هذا الارتفاع غير مسبوق في تاريخ مصر منذ أن بدأ قياس معدلاته.

‏هذه الإجراءات أثرت بشكل كبير على الجانب الترفيهي للأغلبية من المصريين، وهو الأمر الذي يطرح سؤالا حول مستقبل الرفاهية، وهل سيقدم المصريون تنازلات مقابل القليل منها، الأمر أيضًا قد يمتد إلى الانتقال من السينمات "الدرجة الأولى" إلى سينمات "فئة ثانية وثالثة"، وهل ستصبح طوق النجاة بعد ارتفاع أسعار سينما "المولات"؟

هناك قائمة طويلة من دور العرض السينمائي القديمة التي أُطلق عليها "الترسو" أو "الدرجة الثالثة" شاع وجودها في العاصمة المصرية، وكان يمكن لأي شخص أن يدخلها ليشاهد أفلامًا يغلب عليها طابع الإثارة عرضها التلفزيون مئات المرات ولكنها موجودة داخل تلك السينمات في عرض مستمر بتذكرة ذات سعر رمزي لا يزيد عن 15 جنيهًا (أقل من دولار).

مصطلح الترسو

مع بداية إنشاء دور العرض السينمائية بمصر، عرف مصطلح الترسو حيث قسمت دور العرض إلى 3 فئات هي: البلكون، والصالة، والترسو، لكل فئة جمهورها ولكل فئة معايير اقتصادية وثقافية واجتماعية.

واقتصر دخول البلكون والصالة على الطبقات العليا والمتوسطة، وانقسموا في ذلك الوقت إلى الطلاب وخريجي الجامعات، أما فئة الترسو فخصصت للعمال ومحدودي الدخل وكان لها مدخلا خاصا بها.

2017-04-14-1492129860-943188-17918598_10210284764569918_1027742398_n.jpg

‏هل تنتصر الترسو؟

الأزمة الاقتصادية بالتزامن مع تعويم الجنيه وفرض ضريبة القيمة المضافة أدى إلى ارتفاع أسعار تذاكر دور العرض السينمائية، فوصلت في بعض الأماكن الراقية بالقاهرة إلى 150 جنيهًا، وهو ما قد يؤدي إلى عزوف أغلبية كبيرة من المصريين أصحاب الطبقة المتوسطة من الذهاب إلى دور العرض، والاستغناء عن الرفاهية في المقام الأول أو الاتجاه إلى الترسو بعد أن كانت ملاذًا لمحدودي الدخل.

ذهبت إلى سينما "على بابا" - السينما الأشهر حالياً في القاهرة - لمعرفة ما يدور في الداخل.

لاحظت عدم وجود سيدات تدخلن، وجدت فقط عجوزًا يدخن الشيشة برفقة شخص آخر، سألته عن سعر التذكرة فأجاب 15 جنيهًا (أقل من دولار)، ووجدت الأفلام المعروضة: الوتر، وواحد صعيدي، والجيل الرابع، سبق عرضها على قنوات التليفزيون.

‏مدير السينما "علي زارع" أكد لي أن "الكورسال" هي سينما "الدرجة الثانية" الوحيدة في مصر حاليًا عقب غلق السينمات الأخرى، موضحًا أن هذا المبنى تراث مصري يجب المحافظة عليه.

وكشف عن مفاجأة حيث أوضح أنها انشأت في أواخر الأربعينيات عن طريق مجموعة من المواطنين الأجانب آنذاك، قائلا إنها تتسع إلى 700 شخص ولذلك تعتبر أكبر دار عرض في مصر.

توجهت عقب ذلك إلى داخل السينما، غرفة كبيرة مظلمة سوى من فتحات تدخل ضوء الشمس، الكراسي مهترئة، ورائحة كريهة منتشرة داخل المكان تبين أنها رائحة دورات المياه القريبة جدًا من القاعة، ثم مجموعة من الباعة الجائلين يعرضون منتجاتهم على الحاضرين.

تفحصت الموجودين، لم يتعد عددهم 6 أشخاص تتراوح أعمارهم من 20 إلى 35 عامًا لا أكثر، لا يكترثون بتعليمات الأمان يدخنون السجائر، ويتحدثون بصوت عالٍ، ثم قررت المغادرة عند بدء عرض الفيلم الأول.

على جانب آخر، إذا قررت التوجه إلى إحدى دور العرض في المولات التجارية، ستجد أن ثمن التذكرة تبدأ من 75 جنيهًا (4 دولارات) إلى 150 جنيهًا (8 دولارات)، ولكن هناك فرقًا شاسعًا من حيث النظافة أولا ثم نوعية الأفلام المعروضة، مرورًا بعوامل الأمان التي افتقدت تمامًا من الكورسال.

2017-04-14-1492129797-5839341-17949952_10210284771730097_727173325_o.jpg

الفارق الشاسع بين الدرجة الأولى والثالثة، يوضح أن هناك معادلة صعبة لا يُعرف هل سيلجأ لها المصريون أم لا، خاصة عند المقارنة بين نوعية الأفلام المعروضة أو درجات الأمان والفارق الكبير بين الاثنين.

الأمر خارج عن الإرادة"

من جانبه، دافع جابي خوري عضو غرفة صناعة السينما، عن ارتفاع تذاكر السينمات، قائلا: "سبب زيادة الأسعار يعود إلى الالتزامات المادية تجاه الشركات الأجنبية"، مشيرًا إلى أن تلك الشركات تدفع لها الالتزامات بالدولار وليس بالجنيه المصري.

وأشار خوري إلى وجود معدات بحاجة إلى لمبات يتم تغييرها كل 21 يومًا، موضحًا أن تلك اللمبات ليست موجودة في مصر وإنما يتم استيرادها من الخارج، منوهًا بأن قطع الغيار زاد سعرها وبالتالي أصبح ارتفاع أسعار التذاكر أمرًا مفروغًا منه.

وتابع: "هذا الأمر يهدف إلى محاولة تعويض الخسارة التي لحقت بهم بعد زيادة أسعار الماكينات والأجهزة.

"الدرجة الثانية" هي الحل

من جانبه، كشف الناقد الفني رامي عبدالعزيز عن وجهة نظره حول هذا الأمر، مؤكدًا أن فكرة عزوف المصريين عن سينمات الدرجة الأولى، والذهاب إلى الترسو أمر غير وارد، خاصة أن السينما في حياة أغلبية المصريين الآن متعلقة بالأعياد والمناسبات فقط، لذا فإن الأمر موسمي وليس أسبوعيًا، وبالتالي فإن الأمر لن يضر.

2017-04-14-1492130079-5444712-006.JPG

وأرجع لـ"هافينتغون بوست"، استبعاد فكرة الرجوع إلى "الترسو"، إلى نوعية الأفلام المعروضة وجودة تلك الأفلام التي تعرضها "الدرجة الثالثة" من سوء في الصوت أو في الصورة.

وتابع: "البعض قد يستغنى عن الدرجة الأولى ويتجه إلى سينمات وسط البلد "الدرجة الثانية" والتي تبلغ التذكرة بها 30 جنيهًا (2 دولار)، وهذا هو الحل المتوقع والمعقول في ظل ارتفاع أسعار السينمات في المناطق "الارستقراطية".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.