المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن سلمان Headshot

بين "ثورة" البوعزيزي و"تمرد" العبدلّي.. هل تصحّ المقارنة؟

تم النشر: تم التحديث:

كلاهما بائع متجول، الأول أحرق نفسه لإسقاط نظام ديكتاتوري استباح البلاد طيلة ربع قرن، والثاني فجّر نفسه في حافلة للأمن الرئاسي لتصفية من وصفهم بـ"الطاغوت".

ربما لا تصح المقارنة بين "البطل" محمد البوعزيزي و"الإرهابي" حسام العبدلّي، رغم أن كليهما قام بفعل "انتحاري" للتعبير عن رفضه لواقع معين لم يستطع التكيف معه، وفق خبراء الاجتماع.

غير أن الدوافع تختلف بالمنظور الأخلاقي، فالبوعزيزي أحرق نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد (وسط تونس) بعد تعرضه للإهانة من قبل إحدى الشرطيات ومصادرة عربة الخضار التي كان يكسب بها رزقه، فيما لجأ العبدلي إلى تفجير نفسه داخل حافلة للأمن الرئاسي وسط العاصمة التونسية لقتل أكبر عدد ممكن من رجال الشرطة، ربما بدافع الانتقام ممن اعتقلوه في وقت سابق، أو لأنهم مذنبون بـ"الفطرة" من منظور "تكفيري" يعتمده في تقييمه للأشخاص.

ويمكن القول إن "الشهيد" و"الانتحاري" هما ضحية واقع اجتماعي قاسٍ دفعهما للعمل كبائعين متجولين، قبل أن يقرر كل منهما التمرد على واقعه بأسلوبه الخاص، مع مراعاة اختلاف الأوضاع الأمنية والظروف التي جعلت العبدلي فريسة سهلة للجماعات الإرهابية.

وبالنظر إلى النتائج المتباينة الناتجة عن فعلي الانتحار، فإن حادثة حرق محمد البوعزيزي لنفسه قادت لاحقا لاندلاع الثورة التونسية التي ادت فيما بعد لإسقاط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وفتحت الباب على مصراعيه أمام "الربيع العربي" الذي شهد المزيد من الثورات الشعبية انتهت بسقوط عدد من الأنظمة الديكتاتورية.

غير أن الجانب المظلم لهذه الظاهرة هو تردي الأوضاع الأمنية وانتشار الأفكار المتطرفة التي مهدت لظهور الجماعات الإرهابية في تونس والعالم العربي، ومن بينها تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي نجح باستقطاب حسام العبدلي.

وتشير إحدى الروايات إلى أن العبدلي ربما كان يفكر باستهداف رأس النظام (رئيس الجمهورية) عبر الصعود إلى حافلة الأمن الرئاسي ليقوم لاحقا بتفجير نفسه في قصر "قرطاج"، لكن يبدو أن انتباه سائق الحافلة إلى الأمر أحبط مخططه في اللحظة الأخيرة.

ويبدو من المفيد التذكير بأن الرئيس السابق زين العابدين بن علي زار البوعزيزي في المشفى قبل أيام من وفاته، في محاولة لتهدئة الأوضاع وامتصاص الغضب الشعبي، فيما زار الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي مكان التفجير الانتحاري الذي أسفر عن مقتل 12 عنصر أمن وجرح عشرين آخرين، ليؤكد أن بلاده ستكسب حربها ضد الإرهابيين وتُدخل الرعب إلى قلوبهم.

وما بين "ثورة" البوعزيزي و"تمرد" العبدلي، ربما نختم مع ألبير كامو الذي يرى في كتابه "الإنسان المتمرد" إن ثمة متمردين يريدون أن يموتوا وآخرين يريدون أن يُميِتوا، و"لكنهم هم هم.. محترقون بنار الرغبة في الحياة الحقة، محرومون من الكينونة، مفضلون حينئذ الجُور المعمم على عدالة مشوهة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.