المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن سلمان Headshot

التونسي يرتدي "سوريَّة" ويتناول "شاميَّة".. ماذا يعني ذلك؟

تم النشر: تم التحديث:

يردّد التونسيون في أحاديثهم اليومية مفردات عدّة من قبيل "سورية" و"شاميّة" وغيرها، يُخيل للمُستمع للوهلة الأولى أنها عبارة عن صفات لأشخاص قادمين من سوريا، كأن نقول "ذلك الشاب سوري، وتلك الفتاة شامية (دمشقية)"، غير أن الواقع يختلف عن ذلك كثيراً.

فكلمة "سوري" الحاضرة بقوة في اللهجة التونسية تستخدم عادة للتعبير عن كل ما هو غربي عموماً وفرنسي بشكل خاص، فعندما نقول إن فلاناً يتحدث.. يقرأ أو يكتب "بالسوري"، أي أنه يفعل ذلك بالفرنسية، ونفس الشيء ينطبق على عبارات مثل "ماكلة (طعام) سوري" و"لَبسة (ثوب) سوري" و"فيلا سوري" وغيرها، كما أن التونسيين يطلقون عادة كلمة "سورية" على القميص.

وتاريخ استخدام كلمة "سوري" في تونس يعود إلى نحو قرن ونصف، حيث يشير الباحث التونسي بشير الأمين إلى وجود عدة فرضيات لتداول هذه الكلمة في اللهجة التونسية، من بينها فرضية "ضعيفة" تؤكد أن إلياس موصلي، مترجم الباي محمد الصادق، كان من أصل سوري، وبالتالي سُميّت اللغة الفرنسية التي كان يُترجم منها وإليها "سوري"، لكنه يؤكد أن هذا التفسير غير مُقنع كونه يَفترض أن البايات لم تكن لهم علاقات مع الفرنسيين أو المترجمين من الفرنسية قبل منتصف القرن التاسع عشر، مشيراً إلى أن هذا الأمر غير صحيح.

وبغض النظر عن صحة الفرضية الأولى من عدمها، فإن المترجم إلياس الموصلي لعب دوراً كبيراً في تاريخ تونس خلال حكم الباي محمد الصادق، وخصوصاً فيما يتعلق بترجمته لـ"معاهدة باردو" التي وقعها الصادق باي مع الجنرال بريار (أو بيار) الممثل للحكومة الفرنسية عام 1881، وبموجب هذه المعاهدة خضعت تونس لنظام الحماية الذي مهد للاستعمار الفرنسي للبلاد، كما أن الموصلي كان يعتبر من أبرز الرجال المقرّبين للباي والمؤثرين في بعض قراراته.

ويتحدث الأمين عن فرضية أخرى تبدو أقرب للواقع برأيه، وتشير إلى أن كلمة "سوري" مشتقة من الكلمة الفرنسية (syriaque) وهي تدل على اللغة السريانية المشتقة من الآرامية لغة التخاطب الوحيدة في بلاد الشام والعراق في القرن السادس قبل الميلاد، كما أنها باتت لاحقاً لغة السيد المسيح، ولذلك فهو يفسّر كلمة "سوري" على النحو التالي (سوري = سرياني = مسيحي/ فرنسي).

ويشير إلى أن كلمة "سورية" التي تستخدم للدلالة على القميص في اللهجة التونسية مأخوذة هي الأخرى من سورية "السريانية" أيضاً، مؤكداً أن كلمة "قميص" نفسها مأخوذة من الكلمة اللاتينية (camisia) مما يوحي بأن العرب أخذوا هذا اللباس عن جيرانهم، كما يشير - في السياق - إلى أن كلمة (syrien) الفرنسية استعملت طيلة قرون للدلالة على مسيحيي المشرق ولم تتخذ معناها الحالي (سورية) إلا بعد الحرب العالمية الأولى، أيام الانتداب الفرنسي.

غير أن الباحث السوري فايز المقدسي يؤكد أن اسم "سريان" كان يُطلق على جميع السوريين قبل نشوء المسيحية، لكنه تحول لاحقاً إلى اسم يدل على طائفة دينية مسيحية هي الطائفة السريانية، وحل محله اسم "الآراميين"، ويضيف: "وبعد اعتناق السوريين للمسيحية صار اسم "آرام" معادلاً للوثنية عندهم، فعدلوا عنه وعادوا إلى اسم سريان أي سوريين. (..) وأذكر أيضاً أن اسم سريان (syrien) بقي في اللغات الأوروبية إلى اليوم ليدل على الشخص السوري".

ويستخدم التونسيون مفردات أخرى تدل بشكل غير مباشر على سوريا، نذكر هنا مصلح "شاميّة" والذي يدل على أحد أنواع الحلوى (مكونة من طحينة السمسم والسكر وعرق الحلاوة) وتسمى في سوريا وسائر بلدان المشرق العربي "الحلاوة الطحينية" أو "الرهش" في الخليج، فيما تسمى "الشامية" في بلدان المغرب العربي، كما أن البعض يفضّل تسميتها بـ"حلوى التّرك" ربما للدلالة على أصلها التركي، على أن الجزائريين والمغربيين يُطلقون أيضاً اسم "الشامية" على "النمّورة" أو "الهريسة" السورية (البسبوسة في مصر)، ومن غير المعروف ما إذا كان سبب التسمية هو أصل هذه المادة القادمة من "الشام" (دمشق) أو بلاد الشام (سوريا الطبيعية).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.