المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن عارفه Headshot

السوريون يكسرون نظريةً في علم النفس!

تم النشر: تم التحديث:

"لا كهرباء، لا ماء، لا مازوت، والأسعار مرتفعة جداً، أحلم بالخروج بأي وسيلة"، جملة يمكن سماعها، في كل حديث مع أي سوري/ة في الداخل، بمناطق النظام، وفي تلك التي تسيطر عليها المعارضة، وفي المدن والبلدات الخاضعة لقبضة تنظيم "داعش"، مع أن الوضع فيها مختلف نوعاً ما.

بهذه الأوضاع، وفي ظل دوران المعارك، تتلخّص أحلام السوريين، من كل المناطق، بالخروج، الهروب، اللجوء، أو أي شيء آخر، فالمهم، الحصول على أبسط الحقوق الإنسانية، وهو الأمان، وأقل الخدمات، من ماء وكهرباء وتدفئة.

عالم النفس الأميركي إبراهام ماسلو، الذي توفي عام 1970، حدد الاحتياجات البشرية في نظريته الشهيرة سنة 1943، ورتبها من الأكثر أهمية للأقل كالتالي: الحاجات الفيزيولوجية، فحاجات الأمان، ثم الحاجات الاجتماعية، والحاجة للتقدير، ونهايةً، الحاجة لتحقيق الذات.

وتبدو هذه النظرية، "هرم ماسلو"، الأقرب لتحليل النفس البشرية، والتي تبحث أولاً عن حاجاتها الأساسية، ماء، شراب، طعام، نوم، جنس، وهي تندرج تحت الحاجات الفيزيولوجية، ثم تهتم بسلامتها الشخصية، واستقرارها، كالحصول على منزل وعمل مثلاً، وهي تأتي ضمن حاجات الأمان، وبعد ذلك، تبحث النفس، عن العلاقات الاجتماعية، أصدقاء، عائلة، ومعارف، وتلك، تحت مظلة الحاجات الاجتماعية.

وفي ما يخص الحاجة للتقدير، فالنفس البشرية، بعد تأمين تلك الحاجيات، تبحث عن النجاح بمختلف أشكاله، واحترام الآخرين وحبهم، وما إلى ذلك، وبعد ضمان الحاجيات الأربعة، ثمة حاجة تحقيق الذات، ضمنها: الابتكار، الاختراع، الإبداع، والفنون، وأشياء مشابهة.

يجوز هنا إسقاط هرم ماسلو على حالة السوريين في الخارج، وتحديداً في أوروبا، الذين ركبوا البحر، وقطعوا الغابات والطرقات الطويلة، وواجهوا مختلف أصناف العصابات والمافيا، والكثير منهم قضوا أياماً دون غذاء، فالهدف أكبر من الطعام والشراب وتلبية حاجات الجسد، ليسقطوا متصدر ترتيب الهرم، ويبدأوا بكسر النظرية، فلم تعد حاجات الطعام هي الأولى!

وبحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فإن 348.540 سورياً، ينتظرون لجوءاً في الأراضي الأوروبية، بعضهم باع ما يملك في سوريا ليصل، وآخرون استدانوا مبلغ الوصول، وعدد منهم عمل أشهراً، والكثير لا نعرف من أين جاؤوا بالأموال الكافية، ليحجزوا بطاقة الرحلة غير الشرعية، فالهدف الأرض الموعودة، أرض القارة العجوز.

مختلف الشرائح العمرية، التي وصلت لأوروبا، ومعظمها شباب، همّها، وأحلامها، صغيرة، تتلخص بأبسط ما يطلبه الإنسان، هكذا تقلص الأفق، أمام كتلة كبيرة من السوريين!

هنا، تسأل الكثير من السوريين الذين وصلوا للقارة الأوروبية، لماذا قمتم بهذه المغامرة؟ أو تدعي لهم بأنهم تخلصوا من هذا الشرق الأوسط الرهيب، يأتي الجواب من شريحة كبيرة: "لم نأتِ إلى هنا لنبتعد عن الحرب فقط، بل نريد الاستقرار"، جواب في طيّاته استقرار، بيت، عمل مهما يكن نوعه، هنا يبدو الهدف الأوحد، والمتصدر لأولوياتهم، هو الشيء الثاني الأهم بهرم ماسلو، أي حاجات الأمان.

إذاً، تبدو نظرية العالم الأميركي الشهير أمام خطر التغيير، إن لم تتغير فعلاً! فالسوريون بدّلوا ترتيبها، وأصبح الأهم بالنسبة لهم حاجات الأمان، تليها الحاجيات الفيزيوليجية، وبعدها ربّما الاجتماعية.

لكن، ماذا عن الحاجات الأخرى، حاجة التقدير، والحاجة لتحقيق الذات، فالتقدير، لم يعودوا باحثين عنه، لا يهمّهم، حتى النجاح، لم يعد متمثلاً بالتحصيل العلمي، أو الوظيفي، بل أصبح مقتصراً على تأمين الاستقرار، أما تحقيق الذات فيبدو في مهبّ الريح، ليصبح جيل كامل غير معنيّ بالإبداع، أو الطموح، فالحالتان، أكثر ما ستحتاجه سوريا، بعد وقف الحرب، وقتها، ستتضاعف سنوات العمل للوصول إلى ما حلم به السوريون، بعد أول صوت صدح ضد النظام السوري الحالي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.