المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن عارفه Headshot

سأمنع أولادي من دراسة الصحافة!!

تم النشر: تم التحديث:

سيتدرب أبناؤنا لاحقاً، في دراستهم الجامعية، بقسم الصحافة تحديداً، على صياغة أخبارٍ مليئة بالدم من سوريا، وسيعملون، على جمعها، ولملمة مصائبهم، وترتيب دمارهم، في مادة صحفية جميلة! ليحصلوا على علامة، في الامتحان، أو في حلقات البحوث، فتلك التدريبات ستمهد الطريق أمامهم، للوصول إلى مرحلة الفصل، بين المشاعر الإنسانية، وقواعد المهنة.

كنا في كلية الإعلام بجامعة دمشق نتلقى المعلومات التالية: "قتلى وجرحى في انفجار سيارة مفخخة بالعاصمة الأفغانية كابل"، "حركة طالبان تتبنى الهجوم"، "واشنطن تندد بهذا العمل"، "الشرطة الأفغانية تعلن أن الانفجار جرى صباح اليوم"، وأشياء أخرى، معلومات، مهمتنا صياغتها في خبر، على قالب الهرم المقلوب تارة، وعلى قالب الهرم المعتدل تارةً أخرى، وقوالب عديدة، لنتدرب.

وبعد أعوامٍ كثيرة، يبدو أن تلك الأفعال لن تتغير، بل سيُضاف إليها القصف، البراميل المتفجرة، الإعدامات الميدانية، وقصص إجرامية لا تحصى، ولكن البلد تغير، فأصبح سوريا!

هنا، تطفو على السطح، الجدلية القائمة في مهنة الصحافة، حول الفصل بين إنسانيتك ومهنتك، فهي من أكبر مصاعبنا، نحن معشر الصحفيين، إذ نواجه معاناة كبيرة، لاسيّما، بعد أن صار الدمار، في حاراتنا، وأهلنا، وفي مكاتب التحرير الخاصة بنا أيضاً، جدلية، تدفعني، للخوف، من أن يواجه أولادي، ما أواجهه.

ومع أنني لن أمنع أولادي عندما يأتون لهذه الدنيا من أي شيء يريدونه، وسأسقط سلطات الوالدَين عنهم، وأكسر حدود الأبوية التي تُرسم أمام طموحات الأولاد، وسأزيل كل سياج الأسلاك الشائكة، التي تحد من استقلاليتهم، لكن مع كل هذا سأحاول وضع السكك الحديدية عرضاً، في طريق دراسة الصحافة المزفّت، إذا قرروا المسير فيه، سأحاول قدر الإمكان.

بيد أن الأسئلة الهامة تتوارد مع الأيام: هل ستتسع مناهجنا ووسائلنا الإعلامية السورية لمفهوم "صحافة السلم" أو "صحافة السلام"؟ وهل سنكون قادرين على تعبيد الشارع الصحفي بتلك المفاهيم، لنعين الأجيال اللاحقة في دراستها وعملها، ونحميها من الدم والدمار، لتبني المجتمع الذي حلمنا به بعد الـ2011؟

وهل ستنضج تجاربنا الإعلامية، التي ولدت من رحم الثورة السورية؟ وتكون قادرة، على كسر تابوهات نظام البعث؟ وهل ستصل لكل السوريين، كلّهم، دون تمييز؟ وتنقل أصواتهم بعد انتهاء الحرب؟
يبدو الطريق طويلاً ووعراً، فسوريا، بحسب المنظمات الصحفية الدولية، من أخطر البلدان بالعمل الصحفي، حيث الأطراف الخطرة على حاملي الكاميرات والأقلام، كثيرة، وكل منطقة سورية، تخضع لقوانين الفصائل المسلحة، التي تسيطر عليها، بالتالي، من يستطيع العمل في هذه الظروف، قد يكون نواةً للوصول إلى المجتمع المأمول.

ومع ذلك، ثمة بعض الأمل، من يتابع لهجة الكثير من المواطنين الصحفيين، والناشطين الإعلاميين السوريين، منذ بدء الثورة وحتى اللحظة، ومن يدقق في أحاديث الكثير منهم ويجالسهم، يجد البقع البيضاء وسط رقعة الموت والدم، بقعٌ يفرضها أولئك المتمسكون في سوريا، الذين يعملون تحت القصف، لإيصال أصوات الناس، وخدمة الصحافة، الكثير منهم، يمارس مهنة السلطة الرابعة وسط حقول الألغام الكثيرة، ويحافظون على ما استطاعوا من شرعها، المتمثل بالصدق، الدقة، والجدية.

ومن مبدأ أن الاعتراف بالمشكلة والإقرار بأخطاء الماضي أولى الخطوات نحو الحل، تولد البقع البيضاء التي تحدثنا عنها، فمجرد الاعتراف بتلك الأخطاء يعد عملاً مهنياً، ما يفتح الباب أمام قاعدة صحفية، ستكون لاحقاً بنية تحتية لسلطة رابعة بكل معنى الكلمة، تمارس مهامها الأساسية في المجتمع السوري.

ومن كل ذلك، إذا استطعنا، في ثورة قامت على كل شيء، أن نرسخ قيم السلام والتعايش والتسامح، وتعزيز التقارب بين الأطراف السورية، وكسر شوكة التفرقة العرقية والطائفية، وقتها، تحديداً، مخطئٌ من يضع السكك في طريق أبنائه إذا اختاروا درب العمل الصحفي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.