المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن عارفه Headshot

عن وهم الوطن الأسدي !

تم النشر: تم التحديث:

أدلجة الأسد.. تهدد 2.4 مليون طفل سوري!
أجيال سوريا الجديدة.. تحت خطر محو المفهوم الوطني
سننتتصر قريباً
أي انتصار؟ وعلى من؟ كيف الانتصار وأكثر من نصف سوريا خارج سيطرة النظام؟ أي انتصار هذا، ونحو ثمانين في المئة من البنية التحتية لسوريا تدمرت؟
الأسد باقٍ.
هو حوار صغير مع مراهقة سورية في عامها الرابع عشر، كان السكوت عند جوابها الأخير أفضل حلّ، فهي ترى ببقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد في منصبه، انتصاراً على المؤامرة، والقوى العظمى وكل شيء تقريباً، بغض النظر عن أي متغيرات طرأت على سوريا، من شمالها إلى جنوبها، ومن غربها لشرقها.
المراهقة تلك لا يهمها شيئ آخر، سوى وهمها المتمثّل ببقاء الأسد، القائد الحلم، الأب، الصديق، الرمز، القدوة، والوطن !! مع أنه لم يعد يسيطر، على أكثر من 30% من الأراضي السورية!
وفي مجمل الصفات المنسوجة بمخيلة الفتاة، وكذا حال أبناء جيلها أو الأكبر منها من المؤيدين للأسد، لا يوجد أي مشكلة، ربما، بيد أن الصفة الأخيرة هي المشكلة، والوهم الأكبر، والأخطر على هذا الجيل القادم، المعوّل عليه إعمار سوريا المستقبل، والمطلوب منه تكريس قيم الحرية والديمقراطية والتعددية، في قادم الأيام.
خلال الحديث عن المؤيدين للأسد، الذين يرون وطنهم في شخصه، عوضاً عن سوريا بترابها وخارطتها، تبدو المصيبة الكبرى والأخطر، في هذا الوهم، الذي استمر نظام حزب البعث بصناعته، على مدار أكثر من أربعين عاماً.
وتبلغ هذه الصناعة ذروة عمليّاتها خلال الأيام الحالية، مستهدفة فئات الشعب السوري المختلفة، وبالأخص من هم تحت الثمانية عشر عاماً، أضيف إليها، صناعات أخرى، إرهابية، أصولية، متطرفة.
فالأجيال السورية القادمة، انقسمت إلى فريقين، الأول بقي في المدارس ضمن المناطق التي يسيطر عليها النظام، حيث لا يوجد فيها سوريا الوطن، بل سوريا الأسد !! لا مكان للتعددية، لغة الحزب الواحد طاغية!! ويبلغ عددهم، أي طلاب المدارس في الموسم الحالي، نحو 4 ملايين، بحسب آخر التصريحات القادمة، من وزارة التربية السورية.
أما الثاني، فترك المدرسة مجبراً، ويتجسد بالذين نزحوا داخل سوريا، ولجؤوا خارجها، وأيضاً، أولئك القابعون تحت ظل تنظيم "داعش" وأشباهه، ومن هم في بلاد الجوار.
وكل ذلك، فيما تتحدث منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة، عن تدمير نحو 5 آلاف مدرسة في البلاد، منذ عام 2011، وتخلف 2.4 مليون طفل ومراهق سوري، عن الالتحاق بمقاعد الدراسة!
وثمة ضرورة ملحّة هنا، تدفع إلى تشريح مفهوم الوهم المسيطر على الجماهير المؤيدة للنظام السوري، بمختلف الفئات العمرية. والتي ابتهجت فرحاً بفوز الأسد برئاسة سوريا، في حزيران السنة الماضية، وكأنه انتصر على العالم أجمع!
هنا، أقتبس جزءً من كتاب سيكولوجيا الجماهير، لعالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون، حيث قال في الصفحة الثانية والعشرين بعد المئة:" إن الوهم الاجتماعي يسيطر على كل أنقاض الماضي المتراكمة والمستقبل"، مضيفاً أن " الجماهير لم تكن في حياتها أبداً ظمأى للحقيقة، وأمام الحقائق التي تزعجهم فإنهم يحولون أنظارهم باتجاه آخر، ويفضلون تأليه الخطأ، فمن يعرف إيهامهم يصبح سيداً لهم، ومن يحاول قشع الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم".
وإذ ينطبق كلام لوبون على السوريين المؤيدين للأسد، يزيد من المخاوف في الوقت نفسه!
معظم هؤلاء لن يكتف بتشويه مفهوم كبير "كالوطن"، بل ينتقل بعد ذلك إلى معاداة السوريين المعارضين، لتتضح أكثر المقدّمات التي تدفعهم إلى إطلاق تهم التخوين على الآخرين.
فمن لم ينتخب الأسد، ولم يؤيده، خائن للوطن، كما أنهم لا يتوانون عن تأليه الرجل، والتعلّق به كمخلص من عفن الإرهاب، الذي ضرب البلاد جراء عوامل عديدة، من بينها النظام نفسه.
يسيطر الوهم إذاً، على الشريحة التي نتحدث عنها، والرافضة لحقيقة حاجتها وحاجة الشعب السوري بكل ألوانه، إلى العيش بحرية وأمن في ذات الوقت، وممارسة الديمقراطية بسلام.
ومنذ انقلاب البعث وسيطرته على السلطة عام 1963، رفع راية الأمن والاستقرار "أنقاض الماضي"، فضلاً عن الوحدة والحرية والاشتراكية، راية بلغت ذروتها مذ أمسك حافظ الأسد بدفة المركب السوري بشكلٍ كامل عام 1971، لتبدأ هنا صناعة الحاضر.
ظل الرجل حتى وفاته يرسم خارطة طريق للأشرعة السورية، أي "المستقبل"، فلا حياة للسوريين إلا على جزيرة الأسد، وغير ذلك، أمامهم الغرق في بحر الدم، وهنا مربط الوهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.