المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن الحجيلي Headshot

هل إنتصرت السينما على الأدب ؟

تم النشر: تم التحديث:

الفرضية:
جُمهور الأفلام ليس لديه خيار سوى أن يستسلم لسيطرة الصورة التي تدخلهم إلى عوالم أخرى شبيهة بالحياة الفعلية التي يتنفسها.
عبر أداة عرض الأفلام تتحول الحكاية السردية إلى صور ناطقة ومتحركة، بكل تلقائية تُحدق العينان في حركة الفيلم، اللقطات المقربة "الزووم" تُبدي أدق التفاصيل وأصغرها مضخمة ومحسوسة بشكلٍ أكبر، الزمن بطبيعته متحرك، ويقوم بتحريك أحداث الفيلم باستمرار حتى يتوقف الزمان كلياً، وتتجمد الصورة لتصبح صامتة ثم يعود الفيلم مرة أخرى للنطق وللحركة حتى تتكشف الحبكة النهائية للقصة بعد أن استيقظت جميع قدراتنا الإدراكية والعقلية والحدسية داخل هذا الزمن المفقود من الواقع المعاد إنتاجه على شاشة العرض.

الفنون والأدب والسينما متشابهة جداً؛ حيث إنها تسعى إلى التأثير العاطفي والوجداني على المتلقي، وما هي إلا وسيلة على التعبير ومحاكاة للحياة بالاستعانة بالخيال لتحريك الشعور الموجود عند جميع البشر، والرواية والمسرح والسينما وجميع الفنون تتكون من نفس آليات التعبير وأساليب السرد وأدوات البناء.

الزمن:
الفن السردي في الرواية والفيلم والمسرحية هو عملية تدمير الزمن، بمعنى هدم الزمن كلياً وإعادة بنائه مع الدقة في إمكانية التحكم والسيطرة على هذا البناء للزمن، الزمن هو المركز الجوهري لأي قصة محكية أو مسموعة أو مقروءة أو مرئية، القصة في أساسها هي عملية بناء الزمن داخل خط سردي تصاعدي يحتوي على بداية ووسط ونهاية، ولكن ليس بهذا الترتيب المباشر، فالحياة بطبيعتها غير مباشرة؛ لذلك لا يتضح غموض الأحداث عند وقوعها، ولكن الزمن يأخذ وقته حتى تتكشف المعاني من حولنا.

ميشيل فوكو وضع تعريفاً مختصراً للزمن على أنه لحظة الآن المستمرة والمبنية من وعي ذاتي، ويقول :منذُ فلسفة أرسطو ظل مفهوم "الزمن" مُقيداً بميتافيزيقا الحضور واللاتصالية، بمعنى أن الزمن بالتعريف الهيغيلي هو "صياغة للتصور التجريبي العادي، باعتباره ينطلق من لحظة "الآن"، وينظر للوجود انطلاقاً من "الحضور"، وبالتالي يصبح التاريخ حركة لحاضر دائم ومستمر يتجاوز فيه الحاضر - الحاضر/الماضي- الحاضر نحو مستقبل سيحضر. ونتيجة لهذا المبدأ الفلسفي تكون الكتلة الكلية للزمن هي تجربة ذاتية مطلقة تؤثر في عناصرها المكونات الطبيعية والنفسية والدينية والاجتماعية للأشخاص. من كتاب الحقيقة والتاريخ.

يختلف استقبالنا لمفهوم الزمن كبشر؛ لأن الزمن بالنسبة لنا هو حالة من لحظة "الآن" المستمرة ويختلف قياسه بسبب احتواء كل شخصٍ منا بداخله على ساعة بيولوجية حيوية تقدر الزمن، هذه الساعة الحيوية توجد في الأفلام والروايات والمسرحيات، وفي كثير من الأعمال السردية، ووظيفتها هو تقدير الزمن على أساس العلاقات المتبادلة بين الشخصيات والمكان وما ينتج عنهما من أحداث.

التحديق:
جون كوكتو يقول: "الفيلم هو حالة خاصة من الوعي". الأمر الذي يجعل الفيلم يختلف عن الكتاب هو التحديق، أي فقدان الذات والدخول في الصورة عبر البحلقة أو القز أو ما يعرف بمسمى النظرة المحدقة المصطلح الذي قامت بتقديمه لورا مالفي، وتقول فيه إن كل ما يظهر على الشاشة موضوع للتحديق فيدخل المتفرج في مصادر الإمتاع واللذة عبر عملية إمعان النظر المطولة، مما ينتجُ عن هذا التحديق إسقاطات نفسية واجتماعية على شخوص وأحداث الفيلم، بالتالي يصبح التفاعل الذاتي للمتفرج مصنعاً يقوم بخلق المعاني، وبالمقابل الشخصيات المصورة تستعين بتلك النظرة نفسياً واجتماعياً كوسيلة للتعبير، إذاً المتفرج متصل وجدانياً مع الفيلم عبر التحديق والشخصيات الخيالية تتفاعل عبر النظر لبعضها.

الشمولية:
العنصر الأخير الذي أظن أنه مهم جداً، ويفصل السينما عن الأدب، والشعر، والمسرح، والرسم، والتلوين، والموسيقى، والإيماء، والنحت، والزخرفة، أنَّ السينما تتميز بشموليتها، وكما يقول الناقد الفرنسي أندريه بازين: "الفيلم السينمائي هو الطفرة الثورية الداروينية للأدب ولكل الفنون"، ويقول المخرج فرانسيس فورد كابولا: "إن العالم كان ينتظر ويترقب حصول أمر كالسينما؛ لأنه ومنذُ النشأة وخلال السنوات الأولى كان العالم على عجل لصناعة أفلام سينمائية يتم تصنيفها كتحف فنية كاملة"، الرواية والمسرح والشعر والرسم الفني مرت بمئات السنين، ولكن السينما في خلال الثلاثين سنة الأولى من عمرها تم فيها صناعة العديد من الأعمال الناضجة والإبداعية، ورغم قصر عمر السينما، فإنه تم إنتاج الكثير والكثير من الروائع والتحف السينمائية التي جعلت السينما تنافس فنوناً لها آلاف السنين مثل الأدب والشعر والتراجيديا المسرحية والرسم والموسيقى، وما زال النشاط السينمائي مُستمراً، والسبب يعود لشمولية السينما واستعانتها بجميع الآداب والفنون الأخرى، وبالمقابل غيَّرت السينما تركيبة الرواية والشعر والمسرح والرسم والموسيقى وأصبحت جميعها متأثرة بقوة السينما كركيزة أساسية وتأثيرها الوجداني..

الأدب والفنون مستقلة، ولكل منها شعبيته وجمهوره، لكن في زمن الصورة لا بد أن يكون الأثر الأعظم لصالح السينما، فالأدب المقروء يخاطب النخب، وكلما زادت قدرات القارئ اللغوية كان الأدب أكثر إمتاعاً، ولكن السينما يستطيع أن يستمتع بها الأمّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، والمسرح مقيد بخشبته، ومهما حاول أن يخلق زماناً ومكاناً مختلفين يظل سجيناً لحدود خشبة المسرح، ولكن الزمان والمكان غير محدودين في السينما، الرسوم الفنية والصور الفوتوغرافية لا تتحرك وبإمكان السينما تجميد حركة الصورة أو رسمها.

ختاماً.. الفيلم السينمائي هو كائن حي ومستقل، ناطق وصامت (الصوت)، ثابت ومتحرك (الصورة)، مقترب وبعيد (الزووم)، يسافر عبر الفضاء (الزمان والمكان)، بطبيعته عبثي؛ حيث إنْ تمَ دمج أي صورتين مختلفتين ينتج عن دمجهما معنى جديد ومختلف كلياً؛ لذا تتكون السينما من جميع الفنون الأدبية والبصرية، وينطبق عليها وصف أبو الأدب والفنون.

2017-01-22-1485047051-5252722-_Q_9kBVZ.png

من اليسار: لورنس أوليفيه، ديفيد لين، إيليا كازان، إنغمار بيرغمان، فريتز لانغ، ستانلي كوبريك، فيلليني، هافري بوقارت، أورسون ويلز.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.