المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن الحجيلي Headshot

موت السينما: (الجزء الثالث)

تم النشر: تم التحديث:

ys
Cinema Paradiso, dir: Giuseppe Tornatore, (1988)

نحت كتلة الزمن المتدفقة عبر الكادر :

يذكر السيناريست الإيطالي تونينيو جويرا في مقدمة كتاب "بولارويد" واقعة مهمة في أحد الأيام بمنتصف السبعينات الميلادية خرج مع المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي و المخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنتونيوني لاستكشاف مواقع تصوير في أوزبكستان استعدادًا لتصوير أحد الأفلام بالتعاون المشترك بينهم الثلاثة، الفيلم لم يكتمل و لم يرَ النور، ولكن يذكر تونينيو جويرا أنهم في الطريق مر بهم ثلاثة شيوخ مسلمين فالتقطوا للثلاث شيوخ صورة بكاميرا التصوير الضوئية الفورية وجعلوهم يرون صورتهم، وبعد أن حدق فيها أحد الشيوخ بذهول قال " لماذا توقف الزمن؟" ، جعلهم هذا السؤال غير المتوقع والمفاجئ في لحظات من التعجب، ولم يستطيعوا الرد على الشيخ المسلم ولكن اكتفوا بإكمال طريقهم، و يذكر بعد وصولهم إلى مكان سكنهم ظل أندريه تاركوفسكي وحده يتأمل في مفارقة "توقف الزمن" للشيخ المسلم، كيف لعدسة الكاميرا أن تنفتح وتنغلق ليتوقف الزمن مطلقًا في لحظة بعينها؟ كيف يتم تسجيل كتلة زمنية مكثفة فيها يُقتبس الزمان والمكان ليصبح ذكرى نراها بأعيننا للمرة الأخيرة؟ و رؤية اللحظات للمرة الأخيرة هو تفاعلية وجدانية غامضة للغاية ، وبالنسبة لتاركوفسكي هذا التوقف للزمن يترك معنىً شاعريًّا شبيهًا بمعنى الوداع.

من المحتمل أن يكون هذا الموقف هو الأساس لنظريات تاركوفسكي التي طرحها في كتابه "النحت في الزمن"، وفيما يخصنا في هذا الموضوع، السينما التقليدية تعتمد على الصناعة اليدوية أكثر من الاعتماد على الآلة ، بمعنى السينما باعتبارها حرفة يدوية بأيادي عاملة، و يقول أندريه تاركوفسكي واصفًا التحكم اليدوي بكتلة الزمن المتدفق عبر الكادر السينمائي (الشريط) : " التركيب، المونتاج، يقاطع مرور الزمن، يعترضه، وعلى نحو متزامن يمنحه شيئًا جديدًا. إن تحريف الزمن يمكن أن يكون وسيلة لإعطائه تعبيرا إيقاعيًّا. النحت في الزمن"، وبالنسبة لتاركوفسكي صناعة الفيلم الفني هو نحت يدوي في كتلة الزمن، ويفصل في ذلك بالقول: "مثلما يأخذ النحات كتلة من المادة كالرخام مثلاً ويزيل كل ما هو ليس جزءًا منه، واعيًا لأشكال عمله المنجز، كذلك يفعل صانع-الفيلم مع "كتلة الزمن" المتشكلة من مجموعة صلبة، متينة، وضخمة من الوقائع الحية، هو يقطع ويرمي كل ما لا يحتاجه، محتفظًا فقط بما ينبغي أن يكون عنصرًا للفيلم المنجز، وبما سوف يثبت أنه متمم للصورة السينمائية. أن نأخذ ضغوطات الزمن العديدة المتنوعة - التي يمكننا تعيينها وتصنيفها مجازيًّا كغدير، فيضان، نهر، شلال، محيط - ونضمها معًا، فإن ذلك يولّد ذلك التصميم الإيقاعي الفريد الذي هو إحساس مبدع العمل بالزمن، والمتخلق ككينونة متشكلة من جديد". متشكلة عبر الكادر، هنا تاركوفسكي يقدم نظرية السينما على أنها نحت يدوي للزمن، ومن المعروف بأن الأعمال اليدوية أغلى قيمةً وثمنًا. سينما تاركوفسكي هي نظامٌ خاص محكم التقييد وهو يمثل الذروة الفنية النقية في تاريخ الفن السينمائي، وهو مثال على السينما التقليدية الحية الخالصة عبر استخدام الكادر ودون الحاجة للتقنية الرقمية، صانع الأفلام هو صانع صور سينمائية، وصناعة الفيلم عبر الكادر تعتمد على صور ثابتة 24 صورة في الثانية الواحدة -كما ورد في المقالات السابقة: بعنوان: موت السينما-، ودائمًا نقول "الصور المتحركة" وفي الواقع هي الصور الثابتة ولكن عن طريق تشغيل الضوء وحركة الكادر السينمائي (الشريط) يحدُث الوهم الشبيه بتحرك هذه الصور، على النقيض من السينما الرقمية والتي لا تحتوي على صور حقيقية ثابتة إنما تتكون صورها من إطارات إلكترونية لها نفس التكوين الهيكلي.

تسجيل الزمن عبر الكادر و تسجيل الزمن عبر التقنية الرقمية :
التسجيل على الكاميرا عن طريق الكادر السينمائي والتسجيل عن طريق الكاميرا الرقمية وسيلتان مختلفتان تمامًا، ربما كلا الكاميرتين تُستخدمان لنفس الغرض ولكنهما في الحقيقة لا يقدمان نفس النتيجة، فالصور السينمائية التي تستخدم الكادر هي سينماتوقرافيا مختلفة كليًّا عن السينماتوقرافيا التي تستخدم التقنية الرقمية. وعندما سُئل مدير التصوير المعروف جون بيلي (أبرز أعماله كمصور سينمائي يوم القرواندهوق - 1993) عن اختلاف وتشابه تسجيل الأفلام باستخدام الكادر (الشريط) والتصوير باستخدام الكاميرات الرقمية، قال:
"على الرغم من أنني صورت أربعة من الأفلام في العام الماضي باستخدام الكاميرات الرقمية (اثنان منهما دخلا مهرجان الساندانس بالعام الماضي) إلا إنني أفضل التصوير باستخدام الكادر ومع تصوير الأفلام باستخدام الكادر حتى لو لم يبقَ أي كادر لاستخدامه للتصوير، لأن الكادر وسيلة مختلفة عن الكاميرا الرقمية في طبيعة عملية التقاط الصور. مجموعة الحبيبات البيكسل في التصوير الرقمي هي ثابتة ، عبارة عن شبكة ثابتة ومكررة في كل إطارات الصور، وفيها تشابه كبير كونها إلكترونية، أما حبيبات تكوين صور الكادر السينمائي فهي عشوائية، لا يوجد إطاران لهما نفس الهيكل، لذلك الكادر طبيعي وله عضوية حية فيه الصور على قيد الحياة، نابضة بالحياة. في المرة القادمة إذا ذهبت للسينما وشاهدت فيلم يستخدم سينماتوقرافيا رقمية اصعد واقترب جدًّا من الشاشة، توقف أمام الشاشة مباشرةً وسترى الحبيبات البيكسل المكونة للصورة على شاشة العرض، تمامًا كما لو أنك تكبر صورة رقمية لحجم كبير جدًّا وترى الفراغات تتداخل في هيكل الصورة".

ونتيجة لذلك، هنالك الكثير من الفروقات الفنية بين استخدام السينماتوقرافيا الرقمية واستخدام الكادر السينما (الشريط)، وبطبيعة الكادر الحية لديه المزيد من التفاصيل داخل إطار الصور، وللكادر دقة أعلى من التقنية الرقمية، وعمق المساحة في صور الكادر طبيعي يتكون من وحدات عضوية حية و طبيعية على عكس التقنية الرقمية.

الكادر السينمائي أفضل بالمجمل من التقنية الرقمية وبالتأكيد أجمل فنيًّا، التصوير الرقمي يستخدم ذاكرة كقطعة صغيرة جدًّا تمنحك مساحة برقم غير منتهٍ للتصوير، وكل لقطة تخزن رقميًّا، مع السينماتوقرافيا الرقمية يتم تصوير اللقطة الواحدة ويتم تخزينها مباشرةً ويمكنك مشاهدتها على الفور ويمكنك إعادة تصويرها وتغييرها إن رغبت في ذلك، بيما بواسطة الكادر يوجد لديك مدة محددة من الزمن تجعلك تفكر كثيرًا في اللقطة قبل تصويرها. وعند استخدام الكادر تكون في تحدٍّ فني و وجداني من العيار الصعب للمخرج ولطاقم العمل، وحتى بعد تسجيل اللقطة عبر الكادر يُرسل الشريط للطباعة وتنتظر فترة من الزمن لتشاهد النتيجة التي اجتهدت في صناعتها، هذا النوع من التصوير يجعل للعمل الفني معاييره الخاصة كالشعور العاطفي والوجداني بما أنك تستخدم نفس الوسيلة التي استخدمها هيتشكوك وتاركوفسكي وبيرجمان وباسلويني ودي سيكا وبريسون وسيرجيو ليوني وآكيرا كيروساوا وتشابلن وكيوبيرك وأورسون ويلز وغيرهم من الأسماء التاريخية التي وضعت بصمتها السحرية ولمستها ونكهتها المميزة.

ملكة الصُّدْفة و الخطأ البشري المـُفيد:
أذكر في تجربة شخصية لي بتصوير فيلم قصير باستخدام كاميرا 16ملم ، كنت قد قمت بتصوير لقطتين لتكون مشهد البداية للفيلم وبعدما جاء الكادر المطبوع، وجدت الإضاءة خافتة جدًّا في لقطتي مشهد البداية، ولضيق الوقت والحاجة لتسليم الفيلم في فترة زمنية قصيرة جلعني أستخدم ما تصورت بأنه غير جيد مضطرًا، وقمت بتغيير ترتيب سرد القصة، وبدأ الفيلم بمشهد النهاية، وتغير ترتيب القصة كليًّا، تغييرًا للأفضل، وهذا الأمر جعلني أؤمن بوجود ما يسمى بأسرار الصناعة بواسطة استخدام الكادر، وأيضًا مع تجارب أخرى تعرفت على جماليات ملكة الصُّدْفة والخطأ البشري المفيد وفيها تعاسة الأخطاء تتحول إلى قيم فنية وجمالية بمستوىً عالٍ، وكثير من التجارب السينمائية المشهورة كان للخطأ المفيد فضلاً كبيرًا في بقائها كتحف فنية مميزة ومن الأمثلة على هذه الأخطاء ما يدفعك لتغير مسار القصة أو زوايا التصوير أو استخدام الإضاءة بشكل مختلف أو حتى تغيير الكلمات في الحوار، ويذكر مدير التصوير سفن نيكفست أنه وقت تصوير فيلم (التضحية - 1986) أخر أفلام تاركوفسكي، قام عن طريق الخطأ بإزالة 30 بالمية من آلوان الكادر قبل طباعته، هذه الإزالة أدت لظهور اللقطات بألوان غريبة جدًّا، ويقول أيضًا بعد سنوات عديدة عندما قابل المخرج الياباني آكيرا كيروساوا سأله بإعجاب عن ألوان هذه المشاهد تحديدًا من فيلم التضحية للتاركوفسكي، ولو نظرنا لسيرة أي صانع أفلام نجد أمثلة كثيرة على هذه الصدف العجيبة، بالمقابل، وفي الصناعة الرقمية للأفلام وباستخدام الآلة تقل نسبة حدوث مثل هذه الأخطاء ، ولا ننسى أن كثيرًا من الأفلام الرقمية التي ذكرنها في المقال السابق -موت السينما: الجزء الثاني- تم تصويرها في غرفة خضراء وإضافة كل شيء عليها لاحقًا، وكل شيء نعني الزمان والمكان والأحداث والإضاءة وكل شيء، لذلك عندما نقول السينما الرقمية تعطيك الشعور بأنها غير واقعية هي فعلاً غير واقعية، هي رقمية فقط، لكن سينما الكادر هي السينما الحقيقية، الحية.

وعندما نقول "الخطأ البشري المفيد" في السينما ، نتحدث أيضًا عن الأخطاء المحمودة التي تتكرر في أفلام السينما المصرية وكل أفلام العالم الأخرى لأنها مضحكة في لحظة اصطيادها، ومنها مثلاً أن تكون أحداث القصة في الستينات الميلادية ولكن بالخطأ تظهر مجموعة من السيارات بموديلات حديثة، أو في لقطة بطل الفيلم يكون ملبسهُ أحمر وفي نفس اللقطة يظهر البطل بزي أزرق، أو مثلاً نشاهد مجرمًا مقيدة يداه بأصفاد خلف ظهره وفي لقطة بعدها بدقائق مقيدة يداه بأصفاد من الأمام، اصطياد مثل هذه الأخطاء أمر مضحك للمشاهد وأتصور أنها تنمى عند المشاهد بصيرة التذوق الجمالي بأرقى أشكاله، ولكن عندما نتحدث عن "الخطأ البشري المفيد" نستثني الأخطاء الساذجة ومنها مشاهدة ظل الكاميرا تتحرك أو مشاهدة إحدى كاميرات التصوير لأن هذه الأخطاء غير مفيدة، أو مثلاً في لقطة تكون مليئة بالمرآيا نشاهد عليها الكاميرا أو المصور وهو يسجل المشهد لأنه متى ما شعر المتفرج بوجود الكاميرا فقد الإحساس الوجداني العميق بالتمتع بالمشاهدة و يفسُد كل شيء بالفيلم، بالتالي عندما نصف أمرًا ما بـ "الخطأ البشري المفيد" نقول هي اللحظة التي يصبح فيها الخطأ جزءًا جماليًّا في تكوين الفيلم، وتوجد أخطاء مفيدة في كل شؤون الحياة ومنها القصة المعروفة لاكتشاف كولمبس "لأمريكا"، أو اكتشاف آلة "المكرويف"، هذه نماذج على الأخطاء البشرية المحمودة والتي أحدثت تغييرًا جذريًّا لكل البشر.

ويذكر المخرج الأمريكي أورسون ويلز أمر مهم عن صناعة السينما في فلمه الوثائقي ( إف بمعنى مُزيف - 1973) عن الخدع بالسينما والتي يكون بعض منها قادمًا عن طريق الخطأ السينمائي الذي يتحول إلى خدعة سينمائية تتكرر في أفلام أخرى، وعندما نتذكر التجارب السينمائية الأولى في سنوات النشأة الأولى بتاريخ السينما كان يقوم بها أشخاص من ألعاب الخفة (المعروفين بالسحرة في السرك)، فأعطت السينما في نشأتها الأولى الاعتماد على الأخطاء الناجحة مساحة كبيرة لصانعة الخدع البصرية. أخيرًا، لا أجزم بأن السينما ستفقد هذه الأخطاء المفيدة كليًّا بل ربما تكون هذه الصدف المغلفة بالأخطاء أحد أهم الأمور المشتركة بين سينما الكادر التقليدية والسينما الرقمية الجديدة.
(المقال القادم: موت السينما: النظرية)
المراجع:
Swartz, Charles S. Understanding Digital Cinema: A Professional Handbook. Amsterdam: Focal, 2005. Print.
Tarkovskiĭ, Andreĭ Arsenʹevich. Sculpting in Time: Reflections on the Cinema. New York: Alfred A. Knopf, 1987. Print.
Bergman, Ingmar. Images: My Life in Film. New York: Arcade Pub., 1994. Print.
MALTIN, LEONARD. "PREMATURE BURIAL FOR 35mm FILM." Indiewire Blogs, Film News and Reviews. N.p., Web.
"Cannes Spotlight: Tarantino Speaks out against Digital Film." YouTube. YouTube. Web.
Anderson, Wes. "Moonrise Kingdom, Co-writer/director Wes Anderson." Interview. N.p., Web
Cousins, Mark. The Story of Film. New York: Thunder's Mouth, 2004. Print.
"Quentin Tarantino Comments on Digital vs Film." YouTube. YouTube. Web.
Enticknap, Leo Douglas Graham. Moving Image Technology: From Zoetrope to Digital. London: Wallflower, 2005. Print.
Nykvist, Sven, and Bengt Forslund. Vördnad För Ljuset. Stockholm: A. Bonnier, 1997. Print.
Instant Light: Tarkovsky Polaroids. London: Thames & Hudson, 2006. Print.
انظر كتاب "أندريه تاركوفسكي: النحت في الزمن"، ترجمة: أمين صالح.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.