المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن الحجيلي Headshot

مـوت السينما: (الجزء الثاني)

تم النشر: تم التحديث:

hasan
Black Narcissus, dir: Michael Powell, Emeric Pressburger (1947)

إشكاليات تعريف السينما الرقمية و العصر الرقمي:
من الصعب تحديد وفهم معنى "العصر الرقمي" في السينما بما أن المصطلح له دلالات متعددة ومتشعبة تدخل في تكوين كثير من شؤون الحياة مع الثورة الرقمية الحاصلة، ولا شك بأن التقنية الرقمية أحدثت تطورات كبيرة في وسائل مختلفة مثل أساليب التواصل والاتصال الاجتماعية والتقنيات التعليمية/الدراسية الإلكترونية والتقنيات الطبية والصحف والمجالات والكتب الإلكترونية وغيرها من الوسائل التي تشترك في كونها إلكترونية رقمية والتي تحصر سمات هذا العصر الرقمي الجديد، فالعصر الحجري له سماته وهذا العصر أيضًا له سماته التي تُشكله.

لتسليط الضوء على قضية السينما يجب علينا أولاً فهم المقصود بمعنى "السينما الرقمية" وهي جزء من المصطلح الوسيع "العصر الرقمي"، وفي ذلك نقتبس تعريف تشارلز شوارتز عن السينما الرقمية في كتابه (فهم السينما الرقمية) بقوله : "عندما نصف الفيلم السينمائي بالسينما الرقمية نقصد التعبئة والتغليف والتوزيع الإلكتروني الرقمي، وعرض الصور المتحركة بشكل إلكتروني رقمي، مع التنبيه التام بأن مصطلح السينما الرقمية لايخوض بأي شكل من الأشكال في كيفية نشأة الفيلم وكيفية تصويره أو إنتاجه أوكيفية الانتهاء منه."(ص.11)

وهنا يشير شوارتز إلى أنَ مصطلح "السينما الرقمية" يصف الفيلم بشكله الرقمي دون النظر إلى عناصر إنتاج الفيلم وطريقة تصويره، بالتالي عندما نقول السينما الرقمية نصف الكيفية الشكلية للفيلم بصيغته الإلكترونية (على سي دي أو ديفيدي أو شاشة الجوال أو أونلاين) حتى وإن كان الفيلم مصنوعًا بالطريقة التقليدية باستخدام الكادر-شريط-الفيلم-السينمائي بصيغة 35 ملم و لكن بسبب عرضه من خلال قرص رقمي أو مشاهدته بطريقة رقمية إلكترونية فإنه يدخل تحت تصنيف "السينما الرقمية" ويصبح فيلمًا رقميًّا، ويختتم تشارلز شوارتز كتابه بخلاصة مهمة حول تأثيير التقنية الرقمية على الصناعة ويقول: "لها فائدة في إستعادة الأفلام القديمة وإعادة تحريرها بصيغ معدلة وتحسينها خصوصًا الأفلام شبه التالفة لأسباب سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو منها الأفلام القديمة النادرة، ولكن تظل هذه النوادر والشبه توالف تم تسجيل لقطاتها وتصويرها بالطريقة القديمة باستخدام الكاميرا التي تحتوي على الكادر-شريط-الفيلم بصيغ 35 ملم أو 16ملم أو 70ملم أو 60 ملم". بمعنى أنه تم تحميض الصور، وأن الكاميرا اعتمدت على الضوء في تركيب الحبيبات الفضية داخل الكادر السينمائي. وبمعنى أنها صُنعت بالطريقة التقليدية، بالسحر السينمائي، باقتباس الزمان والمكان داخل صور ثابثة كثيرة، داخل شريط فيلمي.

السينماتوقرافيا الرقمية:
يقول المخرج الواقعي الفرنسي روبيرت بريسون إن السينماتوقرافيا هي "الكتابة بالصور عبر الكادر السينمائي (شريط الفيلم)" وكأنه يقول الكلمة الغير مناسبة في الكتابة تؤثر على قوة تماسك المعنى، بينما يقول المخرج الشاعري الروسي أندريه تاركوفسكي بأن السينماتوقرافيا هي "الإيقاع، الذي يُعبر عن تدفق و جريان الزمن ضمن الكادر السينمائي" وكأنه يقول الكلمة الغير سليمة في القصيدة تُفسد إيقاع القصيدة. الفوتوقرافيا هي الصور والسينماتوقرافيا هي الصور السينمائية، - وكما ورد في المقال السابق ( موت السينما: الجزء الأول) - السينما التقليدية تعتمد على صناعة الصور بحيث تشاهد شبكية العين صور ثابتة 24 إطارًا في الثانية الواحدة.

بما أن مصطلح "السينما الرقمية" لايخوض في طريقة تصوير الفيلم فيجب علينا أن نميز ونفصل بين العناصر المهمة وهما: 1) استخدام المونتاج الإلكتروني الرقمي على الكادر السينمائي. 2) استخدام سينماتوقرافيا رقمية: بمعنى استخدام الكاميرات الرقمية الإلكترونية للتصوير لقطات الفيلم. في العنصر الأول يكون فيه تصوير الفيلم باستخدام الكادر السينمائي (شريط الفيلم) وتستخدم التقنية الرقمية في المونتاج و في جوانب تحرير الفيلم فقط، بمعنى أن الفيلم ينبض عبر شرايين الكادر السينمائي (الشريط) الحي و التقنية الرقمية تستخدم في قص وانتقال اللقطات والتزامن التسارعي لإطارات الصور، وفي ذلك يتحدث المخرج الأمريكي المعاصر والناجح ويس أندرسون والذي يستخدم الكادر السينمائي في جميع أفلامه بصيغة 35 ملم يتحدث عن العنصر الأول و يقول " المونتاج الرقمي يُسهل بعض الأمور في إنتاج الفيلم وتحريره مثل قلب إطار الصورة و تغيير سرعة إطارات الصور بالتسريع أو التبطيء".

رغم أنه لايوجد سوى عدد قليل جدًّا من صناع السينما الذين يستخدمون الكادر إلا إنهم لا يعترضون على استخدام المونتاج الرقمي على الكادر ومنهم ويس أندرسون وكونتن ترانتينو والأخوين كوين وبول توماس أندرسون وكريستوفر نولان. في الواقع من قبلهم العديد من صناع الأفلام سبق وأن استخدمو المونتاج الإلكتروني ولكن بصورة بسيطة وقليلة، أبرز التجارب الناجحة في استخدام المونتاج الرقمي القديم هو تجربة المخرج ستانلي كيوبريك في فلمه الخيال العلمي ( 2001 الأوديسية الفضائية) من عام 1968 ميلادي، وبالتالي، فإن هذا البحث يستثني استخدام المونتاج الرقمي (التحرير الإلكتروني) على الأفلام التي تصور القصة باستخدام الكادر-كاميرا-الشريط-السينمائي وفيها لا يتخلص الفيلم من أصوله الكيميائية والتي فيه تُصنع الصور من حبيبات الفضة، وجميع الأفلام الحديثة التي تستخدم الكادر السينمائي مع المونتاج الرقمي أكثر نجاحًا على الصعيد النقدي من أفلام السينماتوفرافيا الرقمية والتي تكون فيها الصور أصلها حبيبات إلكترونية .

بين شباك التذاكر و إشادة النقاد:
المقارانات تُثبت تميز الأفلام التقليدية التي تصور بإستخدام الكادر على أفلام السينماتوقرافيا الإلكترونية - وكما ذكرنا في المقال السابق - بعد نجاح فيلم حرب النجوم : تهديد الشبح عام 1999 زاد الإقبال على الكاميرات الرقمية والتقنية الحديثة بشكل سريع، ولأول مرة بالتاريخ عام 2008/2009 يفوز فيلم يستخدم سينماتوقرافيا رقمية بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم ، وهو فيلم (سلامدوق ميليونير) ويسجل الفيلم نقطة تحول في تاريخ السينما، وفتح الباب أمام العديد من الأفلام الأخرى للدخول في المنافسة، وبالنظر إلى السينما الأمريكية بوجه عام خلال السنوات الأربع الماضية يلاحظ التزايد الكبير في استخدام السينماتوقرافيا الرقمية وإستخدام الكاميرات الإلكترونية و الكمبيوترات و تُسجل هوليود معدل ضخم جدًّا في استخدام مفرط للمؤثرات البصرية الرقمية و المؤثرات الفنية الرقمية و التكنولوجيا التقنية، هذا الاستخدام المكثف واضح جدًّا في الأفلام الحديثة مثل:

The Avengers, Skyfall, The Hobbit: An Unexpected Journey, The Twilight Saga: Breaking Dawn Part 2, and The Amazing Spider-Man 1 -2, Guardians of the Galaxy, Captain America: The Winter Soldier, Transformers: Age of Extinction, Maleficent, The Hobbit: The Battle of the Five Armies, Godzilla, 22 Jump Street, Lucy, Need for Speed, and 300: Rise of an Empire

وهذه أمثلة على الأفلام التي تتعامل أكثر مع الكمبيوتر والتقنية الرقمية أكثر من تعاملها مع الكاميرا والسينماتوقرافيا كالوسيلة الأساسية لفعل الفيلم، وصناعة السينماتوقرافيا الرقمية تعتمد على لقطات مختارة مسبقاً ومصممة إلكترونياً من قبل البدأ في التصوير، وللأسف هذه الأفلام بصورها الإلكترونية المسطحة حققت تجاوب كبير و سجلت إيرادات طائلة جداً في شباك التذاكر طيلة السنوات القليلة الماضية، ومع ذلك ، فشلت في الفوز بجوائز على مستوى العالم، وفشلت في تحقيق أي نجاحات نقدية، بالتالي السينما الرقمية لم تتغلب على السينما التقليدية حتى الآن بل وإنها ليست في نفس المستوى الفني والإبداعي هي مختلفة كليًّا، سينما جديدة. وفي المقابل الأفلام التي تستخدم الكادر في السنوات القليلة الماضية حظت على كثير من الاهتمام النقدي والإعتراف بها كعمل سينمائي حي والثناء العالمي بحصد العديد من الجوائز ، وفقًا لاستبيان من إيستمان كوداك فيلم وهي الشركة التي تقوم بصنع الكادر السينمائي أثبتبت بأن 90% من دور العرض السينمائية استغنت عن أجهزة عرض الكادر واستبدلتها بأجهزة تشغيل تقنية رقمية فقط، مع أن معظم الأفلام التي ترشحت لجائزة أوسكار أفضل فيلم في السنوات القليل الماضية تم تصويرها باستخدام الكادر السينمائي ومنها:

Argo, Lincoln, Silver Linings Playbook, Django Unchained, Beasts of the Southern Wild, Les Misérables, Inside Llewyn Davis, 12 Years a Slave, Nebraska, The Grand Budapest Hotel, Boyhood and Interstellar.

وفي نهاية الصيف الماضي أعلن ثلاثة من إستديوهات هوليود منها بارمونت عن التوقف عن صنع ونشر أفلامها عن طريق الكادر ، والاكتفاء بالتصوير الرقمي والنشر والتوزيع الرقمي.