المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن الحجيلي Headshot

موت السينما: (الـجزء الأول)

تم النشر: تم التحديث:

hasan
Ivan's Childhood, dir: Andrei Tarkovsky (1962)

إطار تجريدي في معنى الموت:
كتب المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي رسالة مفتوحة لابنته فرانشيسكا ذات الأربعة عشر ربيعاً، الرسالة مؤثرة جدًّا وتحمل في طياتها الكثير من المشاعر الصادقة و تتحدث عن المستقبل بتفائل ولكن ورد الإشارة بحزن مؤثر عن التنبؤ حول قضية مصيرية وهي موت السينما، سكورسيزي قدم العديد من التحف السينمائية النادرة من أواخر الستينات الميلادية حتى اليوم بفلمه الأخير ذئب وول ستريت، ولسكورسيزي تاريخ طويل مع الأعمال الوثائقية المتعددة، سكورسيزي علامة فارقة في تاريخ السينما الأمريكية والعالمية، وبالتأكيد ما يذكره عن تبدل السينما إلى شكل جديد مختلف كليًّا أمر مخيف، وهو بالجزم يقصد مايقوله ويعنيه بمعناه الصريح، وهذا جزء من مقدمة الرسالة:

"أدركت على مدى السنوات القليلة الماضية، أن فكرة السينما التي كبرت معها، تلك السينما الموجودة في الأفلام التي عرضتها لكِ منذ أن كنت طفلة، وتلك التي كانت مزدهرة عندما بدأت بصناعة الأفلام، تقترب من النهاية. لست أشير إلى الأفلام التي تمت صناعتها. أنا أشير إلى ما هو قادم منها في المستقبل.

لا أقصد أن أكون يائسًا. لا أكتب هذه الكلمات بروح الهزيمة. بل على العكس، أظن بأن المستقبل مشرق".

بالمقابل للمخرج/المؤلف كونتن تارنتينو موقف سلبي من دخول الإنتاج الرقمي على السينما، ويذكر بأن السينما تحولت من سينما سحرية إلى أفلام في أقراص رقمية (كالديفيدي والسي دي) تعرض في أماكن عامة ، وفي صالات السينما لم تعد تحس بعرض الكادر السينمائي ولكنك تكتفي بمشاهدة ديفيدي في دور العرض، ويقول تارنتينو بأن السينما انتهت وإذا أردت أنا مشاهدة الفيلم على ديفيدي أستطيع أن أقوم بذلك في منزلي دون الحاجة للذهاب لصالة العرض ودفع النقود واختيار المقعد المناسب، خصوصًا وأن قيمة المقعد تساوي سعر النسخة الرقمية (الديفيدي) للفيلم، ولكن السينما القديمة ومعجزة اقتباس الزمن في الشريط السينمائي (الكادر السينمائي) تغيرت مع ثورة التكنولوجيا الحاصلة، وبقهر شديد يعترف "ليست هذه السينما التي أردت أن أكون بسببها مخرجًا" ، ومن الواضح بأنه يعترض على فكرة السينماتوقرافيا الرقمية ففلمه الجديد (الحاقدون الثمانية) القادم في ديسمبر من هذا العام 2015 سيكون بكادر سينمائي (شريط سينمائي) من صيغة 70 ملم، هو نفسه الذي استُخدم في كثير من الأفلام السينمائية في الستينيات الميلادية، و يقوم تارنتينو ومعه مجموعة من المخرجين مثل ويس أندرسون و الأخوين كوين و الكسندر باين وديفيد فينشر وبول توماس أندرسون بموقف مضاد تجاه التغيير الكبير الحاصل بالسينما اليوم، يقومون بموقف تمردي اعتراضًا على السينما الجديدة، يقومون بصناعة أفلامهم السينمائية على الطريقة القديمة وباستخدام الكادر السينمائي مثل سينما ألفريد هيتشكوك وسينما أندريه تاركوفسكي وسينما ستانلي كيوبريك وسينما إنغمار بيرغمان وسينما أورسون ويلز وسينما تشابلن وكيتون وسينما ديفيد لين مخرج لورنس العرب و دكتور جيفاقو. السينما الحقيقية هي التي تختزل الزمن الذي عجز العلماء والفلاسفة في تحديد تعريفه داخل الشريط السينمائي وتأخذ المشاهد إلى عالم الخيال بدون أي حدود وبوسيط واحد وهو الضوء الذي ينير الكادر السينمائي لتتحرك الصورة الثابتة، ويخاطب الفيلم الروح لتبدأ المعجزة الفنية المطلقة، ويبدأ العرض.

الصور في العصر الرقمي:
صناعة الفيلم السينمائي يتطلب صناعة الصور، والصورة هي الأداة السحرية الرئيسة التي تدخل إلى مصنعنا الفردي (أدمغتنا) ومن خلال استيعابها يتم إنتاج القصة السينمائية، لأن القصة تحدث داخل عقولنا فقط. الفيلم هو عبارة عن صور ثابتة تخلق من الخيال وهمًا شبيهًا بالحياة الواقعية، والصورة الثابتة الواحدة في الفيلم تبقى على شكبية العين لفترة زمنية قصيرة جدًّا، ثم إذا أسرعنا باستبدال هذه الصورة الثابتة بصور ثابتة أخرى مشابهة لها بحيث تتابع الصور على شبكية العين، فإننا بالتالي نخدع البصر، وتستوعب الدماغ هذا التغيير على أن الصورة تتحرك، لأن تغيير الصور أسرع من أن تلحظه الأبصار والأدمغة، وبذلك نشعر بأن الفيلم هو صور متحركة وهكذا يعمل سحر السينما. يتفاعل الفيلم السينمائي مع الدماغ، ويأخذ المتفرج، سواءً كجمهور أو بشكل فردي، إلى عالم آخر، عالم يشبه الحلم فيه تتحرك الصور وتتكلم داخل غرفة مظلمة.

التكنولوجيا لها تأثير عميق على كل شيء في زمننا الحاضر، وهي جزء أساسي من حياتنا اليومية حيث يتم حفظ وتسجيل معظم الأشياء رقميًّا (ديجتال). وفي هذا العصر الجديد يتفق كثير من المؤرخين والنقاد العالميين على أن للتكنولوجيا تأثيرًا كبيرًا على السينما أكثر من أي وقت مضى، وتم تسمية هذه الحقبة بالعصر الرقمي في تاريخ السينما. وهنا سأقوم باستيعاب أهم العناصر الأساسية للسينما الرقمية فضلًا عن الجوانب النقدية لتأثير دخول التكونولجيا (الدجيتال) على صناعة الفيلم السينمائي.

تاريخ موجز عن الصور المتحركة:
نظرية التصوير قديمة جدًّا منذُ زمن أرسطو، ولكن المؤسس الحقيقي لها هو العالم الأندلسي المسلم حسن بن الهيثم. وفي عام 1878 ميلادي، بدأ سحر الفيلم ككائن حي، الفيلم كصور متحركة، عندما خلق إدوارد موبيريدج أول إسقاط علمي لحركة الصورة. في مشروع موبيريدج السينمائي الأول تم اقتباس حركة أجسام حية (16 لقطة/صورة في الثانية الواحدة) في جهاز يسمى (كينتوسكوب) الذي يعتبر أول جهاز للصور المتحركة، أول شاشة عرض سينما ولكنها كانت مشاهدة فردية. ثم في أواخر عام 1890 ميلادي افتتح المخرج ويليام ديكينسون بالاشتراك مع العالم توماس أديسون (مخترع الكهرباء) أول إستديو أمريكي لإنتاج الأفلام القصيرة بمسمى (أيدسونز بلاك ماريا) في مدينة نيوجيرسي. وبدأ إنتاج التصوير السينمائي وهو الكتابة بالضوء، والفيلم السينمائي يحتوي على الكادر السينمائي (الشريط)، والصورة تُخلق بداخله من حبيبات فضة.

في أواخر العشرينيات الميلادية تحولت السينما من صامتة إلى ناطقة، ودخلت الحركات الأدبية إلى السينما ومنها الحركة المعروفة باسم الدادائية، والحركة السيريالية، والحركة التجريبية المعروفة باسم الطليعية، والتعبيرية الألمانية، والحركة الواقعية الإيطالية، وبذلك أصبحت السينما فنًّا أدبيًّا مماثلًا للفنون الأخرى كالنحت والزخرفة والرسم والمسرح والأدب والموسيقى والإيماء، ولكنه كما يقول أندريه بازين الفيلم السينمائي هو الطفرة الثورية الدروانية لكل الفنون، لأن الفيلم كائن أدبي متكامل ومستقل، ناطق ومتحرك، ويجمع بداخله خلاصة فنية جمالية بتذوق عالٍ لجميع الفنون الأخرى.

وفي الثلاثينيات الميلادية، أصدر والت ديزني ولأول مرة فيلم رسوم متحركة طويل باسم (سنو وايت والأقزام السبعة)، ودخلت الرسوم المتحركة للمنافسة، وبعدها في أواخر الثلاثينيات بدأ الإعلان عن التلفزيون، ومع ذلك بدأت أشكال مختلفة لاستخدام شاشات السينما العريضة بأبعاد مختلفة، ودخلت تقنية ثلاثية الأبعاد في المنافسة، وثلاثية الأبعاد فيها البصر يأخذ صورتين مكررتين ولكن ببعدين مختلفين والعقل يضعهما معًا مما يخلق عمقًا آخر يسمى البعد الثالث وبالزمن الحالي تستخدم (نظارة الثري دي) عدستين مختلفتين ويضمهما الدماغ ببعضهما لينتج تأثيرًا ثلاثي الأبعاد.

وفي نصف الخمسينيات انتشر التلفزيون، فاختارت السينما شكلًا محددًا للأفلام وهو 35 ملم التي أعطت للسينما جاذبيتها وبريقها الخاص، وعادت شعبيتها بعودة الجمهور لصالات العرض. وفي السبعينيات الميلادية تنوعت الكاميرات ودرجات شاشات العرض مثل 35 ملم و 60ملم و 65 ملم و 70 ملم.

وفي الثمانينيات الميلادية بدأ صانعو الأفلام باستخدام كاميرات رقمية ولأول مرة تحت مسمى سينماتوقرافيا إلكترونية ومنها فيلم ( إمبراطورية تقاوم). وأخيرًا في شهر مايو عام 1999 ميلاديًّا سجل جورج لوكس أول تجربة سينمائية ناجحة على المستوى الجماهيري وعلى المستوى النقدي باستخدام كاميرات رقمية عالية الوضوح وباستخدام الكمبيوتر والتقنية الحديثة في تصميم المؤثرات البصرية في فيلم حرب النجوم الحلقة الأولى: تهديد الشبح.

*هذا النص هو الجزء الأول من سلسلة مقالات بعنوان : ثلاثية موت السينما .

المراجع:
Swartz, Charles S. Understanding Digital Cinema: A Professional Handbook. Amsterdam: Focal, 2005. Print.
Tarkovskiĭ, Andreĭ Arsenʹevich. Sculpting in Time: Reflections on the Cinema. New York: Alfred A. Knopf, 1987. Print.
Bergman, Ingmar. Images: My Life in Film. New York: Arcade Pub., 1994. Print.
MALTIN, LEONARD. "PREMATURE BURIAL FOR 35mm FILM." Indiewire Blogs, Film News and Reviews. N.p., 13 Mar. 2013. Web. 13 May 2013.
Anderson, Wes. "Moonrise Kingdom, Co-writer/director Wes Anderson." Interview. N.p., May 2012. Web. 13 May 2013. .
Enticknap, Leo Douglas Graham. Moving Image Technology: From Zoetrope to Digital. London: Wallflower, 2005. Print.
انظر رسالة مارتن سكورسيزي المفتوحة إلى ابنته عن نهاية السينما ومستقبل الصناعة في أبريل عام 2014 ميلاديًّا.