المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حارث العباسي Headshot

لا عيد لمن لا حرية له

تم النشر: تم التحديث:

على غير المخطط له، وفجأة وجدتُ نفسي داخل الزنزانة، من غير ذنب ولا تهمة إلا أني كنتُ عائداً من بلدٍ آخر إلى مدينةٍ رزحت تحت الظلم والإرهاب 3 سنوات، وما زال فيها الألمُ مستمراً ولم يتوقف نزيف الدماء ولا هدم البناء.

دخلتُ الزنزانة مُستغرِباً ما الذي أتى بي إلى هنا؟ بدأت أتساءل في نفسي وأخذ عقلي لا يهدأ عن التفكير، ولكن حاولْتُ أن أهدأ قليلاً.

مضى اليوم الأول والثاني والثالث، لم يكن يزعجني السجنُ بقدر ما كانتْ تزعجني الأجواء السلبية، وقصص السجناء الذين لبثوا في هذا السّجن بضعة أشهر أو بضع سنين، بقيتُ طوال مدة الحجز لا يهدأ عقلي عن التفكير في الحرية، ولا يهدأ لساني عن ذكرها، فذكرها في هذه الأجواء من أوجب الواجبات.

بقيْتُ جالساً قُرَبَ الباب أنتظِرُ أن يُفتح وأخرج منه لأرى الحياة من جديد، أن تستيقظ صباحاً ولا تخرج من بيتك بإرادتك؛ لأنك منزعجٌ من الواقع شيء محتمل، أما أن تستيقظ وهناك من كبّل حريتك وإرادتك عن الخروج شيءٌ لا يطاق ولا يُتصور.

مهما أتحدثُ عنه فسيبقى سجناً، سواء دخلتهُ مذنباً مرتكباً جريمة، أو دخلته هكذا من غير ذنب، سيبقى اسمه سجناً، وربما خطر في البال سيدنا يوسف وكيف دخل السجن وربما السجناء يستشهدون به بشكل سلبي.

يوسف -عليه السلام- دخل السجن بطلبه واختياره فهو الذي طلب من ربه بقوله: "رب السجنُ أحب إليّ مما يدعونني إليه"، ونحن دخلناه رغماً عنّا مجبَرين على دخوله، وشتّان بين الاثنين.

لا أدري كيف انقضت 10 أيام بليالها، كانت طويلة جداً، نظرُك للساعة يجعل الوقت أطول، ربما الثانية بمثابة يوم، والدقيقة بمثابة شهر، والساعة بمثابة سَنة، ولك أن تتخيل كم سيبدو اليوم طويلاً.

لعل من عجائب ما يحدث أن تجلس قرب أناس مختلفين فكرياً وعمرياً ومناطقياً، وتبدأ تأخذ من جميعهم دروساً وحكماً مختلفة، وإذا تكلمْتُ عن الدروس فغالباً ما تكون سلبية.

لعل الدرس الأخير الذي علق في ذهني وما زلتُ أفكر فيه، هو لماذا رُبِطت العبادة بالعبودية وأن تكون مأسوراً؟

قلْتُ للعجوز الذي كان بجانبي: كم بقي للعشر الأواخر؟
قال: بقي يوم واحد.
قلتُ له: أسأل الله ألا يبلّغنا العشر الأواخر في هذا المكان.
قال: لكن العشر الأواخر هنا أفضل؛ هنا تكون متفرغاً مبتعداً عن مشاغل الدنيا.

قلتُ: إن العبادة لا تصلح إلا مع الحرية، والذكر لا يصلح إلا مع الحرية، من أين أتيتم بهذه البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان؟! لماذا نبرر عجزنا وضعفنا ونجعل الذي ظلمنا كأنه قد أحسن إلينا ففرغنا للعبادة والذكر؟!

قلتُ: إن العبادة هي أن نذهب إلى الله بطواعيةٍ واختيار لا أن يُذهب بنا إليه، وبما أن العيد على الأبواب، يجبُ أن نطلقها مدويةً لكل أحرار العالم: إن العيد في ظل الزنازين لا يُسمى عيداً ولو عاد ألف مرة.

وإن العيد في ظل الإرهاب والتطرف والحكومات القمعية التي تحرم الإنسان حق الكلام لا يسمى عيداً.

وإن الذين أسروا عقولهم وجمدت أفكارهم ولم تنضجْها سنوات الحرب ولا متغيرات الواقع، هؤلاء عبيد لا عيد لهم.

إن العيدَ هو أن تكون حراً متحرراً من القيود المادية والفكرية والمجتمعية.. وبعدها يصح لنا أن نقول لكم: كل عام وأنتم أحرار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.