المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حارث العباسي Headshot

كيف نُسوّق قيمة الحرية؟

تم النشر: تم التحديث:

على غير عادة الدورات التقليدية كنتُ مُشاركاً في دورة القيم في مدينة إسطنبول في إحدى المؤسسات التدريبية، وكانت دورة غير تقليدية إلى حد ما، فالمدرب تحدث عن كيفية تسويق القيم من خلال المنتجات، كنتُ مستغرباً ما الذي أستطيع أن أسوّقه، من خلال منتج معين، وما أن انتهى من حديثه عن هذه الفكرة أعطانا تدريباً عملياً على منتجات، يمكن تسويق القيم من خلالها، خرجْتُ إلى الصالة التي سأجلب منها منتجاً معيناً لأسوّق من خلاله قيمة أؤمنُ بها، لفت انتباهي ما يسمى بالعامية النفاخة: التي تطير بالهواء أو تحمل للزينة، فقلْتُ لصاحبي يمكننا أن نسوق من خلالها مفهوم الحب، قال: لا، ابحث عن شيء آخر، وجدْتُ أن الحريةَ هي القيمة التي يمكنني أن أسوقها من خلال هذا المنتج.

أجل الحرية التي أصبحت حبيسة أقوال وأفكار، ولم يعُدْ لها تطبيق على أرض الواقع، الحرية التي صودرت بحجة الحفاظ على الأمن العام، الحرية التي أصبحت قلة أدب، فالطالب إذا ناقش أستاذه وقام بمحاججته أصبح قليل الأدب، والموظف الذي يناقش مديره ويعترض على قراراته يصبح مهدداً بالفصل.

الحرية لم تعد إلا شعارات، ونتحدث عنها في دروسنا ومواعظنا، وعند التطبيق يصبح أول المتحدثين بها ديكتاتورياً، أجل نحن بحاجة إلى تسويق قيمة الحرية من خلال منتجات، بل الأولى أن نسوقها من خلال تطبيقاتنا وأفعالنا، فالأفعال أوقع بالنفس من مئات الخطابات.

أرجع مرةً ثانية إلى الدورة أخذْتُ النفاخة ورسمنا عليها طيراً، وبالتأكيد الطير الذي يجوب العالم طائراً بجناحيه يحلق في كل أرجاء المعمورة، نستطيع أن نحيي من خلال هذا المنتج أن الحرّ يستطيع أن يحلق عالياً؛ لأن العبيد لا يستطيعون الطيران، وإن أذنت لهم بذلك، فكانت الفكرة التالية أن نرسم على كل نفاخة: طير مع حكمةٍ عن الحرية بعنوان: لا حياة لمن لا حرية له.

السؤال الذي يجول بخاطري كيف نستطيع أن نسوق لهذه القيمة في مجتمعاتنا؟

أجل الجواب يحتّم أن يكون عملياً، ومن خلال تجربة عملتها مع طلابي في العام الماضي، كنتُ أركزُ كثيراً على أن يُبدوا آراءهم لأساتذتهم، وأن يقوموا بالنقاش بطريق مهذب، بعيداً عن التجاوز وسوء الأدب، وأظن بدأ كثير من الطلاب ينهج هذا النهج بطريقة مهذبة.

1- الفكرة التي أستطيع أن أقدمها لزملائي المدرسين، أستاذي الفاضل باستطاعتك أن تخرّج من بين يديك مجموعة من الأحرار، وباستطاعتك أن تخرّجهم عبيداً، الخيار بيديك.

2- ونستطيع أن نحيي قيمة الحرية في مؤسساتنا من خلال المشاركة بالقرارات، وحرية إبداء الرأي بكل تجرد وبدون مقدمات مسبقة، وأن يضمن الموظفُ حقَّه في الكلام، وألا تعتبر الكلمة سبباً لإزاحته من العمل، فالموظف الذي يتكلم بحرية غالباً ما يكون أحرص على المؤسسة من أولئك الذين يحسنون التصفيق.

3- نستطيع أن نحيي حرية التفكير في منازلنا بين أبنائنا من خلال تركه يتحدث بكل شيء يسمعه من الآخرين، لا أن يُنْهر لمجرد أن يتفوه بكلمة سيئة، ربما لا يدري أنها سيئة، فالحرية ستكون وسيلة لتهذيب أبنائنا ومعالجة الأفكار والأخلاقيات السيئة.

اليوم يتوجب علينا أن نسوق الحرية في مؤسساتنا ومدارسنا ومنازلنا ومساجدنا وأسواقنا، فالحرية حِريّةٌ أن تهذب المجتمعات، إذا أحسن استثمارها وتطبيقها، وأخيراً.. أية قيمة للفضيلة إذا لم توجد حرية؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.