المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاني صابر السَّحتْرِي Headshot

مشارقة ومغاربة: رؤية من زاوية جديدة بعين المصري المُتَمغرب

تم النشر: تم التحديث:

2017-01-27-1485477504-7246871-.jpg

إثر فعاليات ندوة دولية انعقدت في كلية الآداب والعلوم الإنسانية حول "تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها"، دارت في رأسي عدة تساؤلات، منها ما فائدة مثل هذه اللقاءات والمؤتمرات؟ هل فقط تقتصر الفائدة على "التعارف" بين المشتغلين في هذا المجال؟ أو تبادل الخبرات مثلاً؟ أم الخروج بتوصيات للعمل بها مع الطلاب الذين نسعى جميعاً لتفصيح ألسنتهم وترغيبهم في تعلم لغتنا التي تجمعنا من المحيط إلى الخليج؟ - رُبما.

ولكني آسفاً اكتشفت هدفاً جديداً لم يخطر في بالي قبل المبادرة بالذهاب إلى هذا المؤتمر المبارك، هذا الهدف هو الشكاية وإلقاء التهم على "المشارقة" عموماً، وعلى المصريين خصوصاً، فإبان الاستماع إلى ما يتفضل الأساتذة الأجلاء بإلقائه على مسامعنا أجد عبارات مثل: "أساتذتنا المغاربة يُعانون من المصريين حينما يذهبون في بعثة إلى برامج تبادل المعلمين في أميركا"، أو عبارة أخرى بصوت استنكاري مثل "زميل مصري قال لي بنطلون كلمة فصيحة"، وكانت أخف الكلمات وطأة هي كلمة لزميل فاضل قال: "مع الأسف نحن -كمغاربة- لا نتكاتف ولا نتحد، بينما المصريِّون يَشُد بعضهم بعضاً وإن كانوا مخطئين"، ما أثار حفيظتي ليس أنهم ذكروا كلمات مثل "مشارقة" أو "مصريين" في سياقات مثل التي ذكرتها آنفاً، بل هذا الاتجاه العام الذي رأيت معظم الأساتذة الأفاضل يسيرون على منواله.

وكإنسان استطاع أن يتحرر من تلك "العُقد" النفسية ومن الصور النمطية المُهْتَرِئة، قررت أن أقف خارج الدائرة لأرى المشهد من بعيد، محاولاً أن أعرف السبب وراء تلك الأقاويل التي لم أشخصن تفسيرها -كوني على ما أظن المصري الوحيد الحاضر هذا المؤتمر- كما أني رأيت أن رفض اللجنة أن أُدلي بمداخلة ليس لشيء سوى أنَّ رئيس اللجنة الثالثة قد قرر أن يُشارك ثلاثة أساتذة وثلاث أستاذات، رغم أنه قَبِل بعد رفضي عنصرين من الرجال ولكن حُسن الظن بالأساتذة المكلفين بتسيير المناقشة أمر واجب في هذا السياق من باب حسن التأدُّب مع المعلمين الأفاضل.

والآن أسعى جاهِداً لتحسس العلة الحقيقية وراء تلك المشاحنات التي وجدتها واضحة كالشمس في وَضَحِ النَّهار، وهذا مجرد تصور حين أتخيل لقاء بين معلمي المشرق والمغرب في نفس الدورة التدريبية أو البرنامج أو البعثة، فوجدت عدة احتمالات سأوردها هنا وإن كنت أستنكرها ولا أوافق هؤلاء الذين قد يعتقدون ولو احتمالاً واحداً:

1- الصورة النمطية التي لدى المشارقة عن المغاربة من ناحية صعوبة دارجتهم -التي أستعملها الآن بطلاقة- وظناً من المشارقة أن تلك اللهجة بعيدة عن العربية الفصحى.

2- عدم معرفة بعض الزملاء المعلمين من المشرق بقيمة المغرب كبلد متعدد الثقافات يقبل الناس من كل أصناف البشر.

3- الصورة الذهنية التي لدى المشارقة من تأثير الاستعمار على اللسان المغربي، مما يقلل من كفاءة المتحدثين بتلك الدارجة في تعليم اللغة العربية الفصيحة.

4- يظن البعض -عن غير علم- أن الأمازيغية هي اللغة التي يستعملها المغاربة، وأن العربية بالنسبة لهم لغة أجنبية؛ لذلك يرى هؤلاء أنهم أجدر بتدريس العربية من الأساتذة المغاربة الأفاضل.

5- بُعد المَسافة بين المَشْرِق والمَغْرب عامل مؤثر في صعوبة السفر؛ كي يرى المشارقة المغرب وأهله عن كثب.

لن أسهب في تأويل الاحتمالات وأكَرِّرُ وأقول إنني أستنكر مثل هذه الاحتمالات وأغالطها، لكنها قد تكون سبباً في إساءة التصرُّف من قِبَل البعض، وأن تفسير ما سمعته في هذا المؤتمر قد يكون رد فعل عما "يَسْمَعه" الأساتذة المغاربة عن المشارقة.

من دافع تقديري وحبي للمغرب، ومن غيرتي على مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى الذي أرى أننا جميعاً نسعى للارتقاء به وتطويره والاشتغال على مَبَاحِثِه، أقف على منبر المُدافع وأقول: إنَّ المغرب قبلة للثقافات المختلفة، ومهد لحضارات عريقة وسعت الناس بشتى ألوانهم وتوجهاتهم، فلا تجعلوا ما لديكم من صور نمطية عن الوجهة التي أتى منها الآخر أن يؤثر على معاملتكم معه، المغرب فيه أزهى مدرسة لسانية في علم اللغة الحديث، المغرب أنجب علامة مثل د. الفاسي الفهري ود. إدريس السغروشني، المغرب به منظمة عريقة تعرف باسم "الإيسيسكو" لها دور فعال ومؤثر في خدمة اللغة العربية وتعليمها، المغرب فيه جامعة القرويين وفاس العالمة وكثير وكثير لا يُعد ولا يُحصى، فأدعو كل من لا يعرف قيمة المغرب أن يقرأ عنه أو أن يزوره كي لا يصيب أهله بجهالة "ونصبح على ما فعلوا متأسِّفين".

بالإضافة إلى ما ورد، مما دفعني لكتابة هذا المقال أن المغرب أعطاني الكثير، فما أردت أن أقف في محل سكون، ويستحيل عليَّ أن أنجرف أو أنساق للموجة المضادة لهذا الانتقاد الذي سأنساه بمجرد الانتهاء من كتابة هذه السطور، بل وجب التوضيح وتصفية النفوس ودعوة للتآزر واللُّحمة، فلنرفض جميعاً "التعميم"، وإن كان هناك عناصر تتحدث على الملأ بلهجة استعلاء، سواء كان ذلك عن جهل أو إنكار لقيمة الآخر، فلا يجب أن نلتفت إليهم ولنسعَ جميعاً لتحقيق أهدافنا.

وإن كان مَن تفضلوا بتنظيم هذا المؤتمر هم الأساتذة والدارسين في ماستر تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، يفخرون بأن هذا القسم في الكلية هو الأول من نوعه في شمال إفريقيا ونحن في عام 2017، فأنا أولى أن أفتخر بكوني أول باحث مصري في كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس، والشهادة التي أجازتني للقبول في هذا الماجستير هي شهادة الدبلوم العام في كلية الدراسات والبحوث التربوية بجامعة القاهرة شعبة إعداد معلم اللغة العربية للناطقين بغيرها لعام 2014، تلك الكلية التي كان يطلق عليها سابقاً معهد الدراسات والبحوث التربوية، والتي أنشأ فيها أساتذتي الأفاضل - على رأسهم د. علي مدكور رحمه الله- هذه الشعبة، وكان أول فوج تخرج في هذه الشعبة عام 2005 - 2006.

فياليت أساتذتنا الأفاضل في المغرب العربي الذي عُرف دائماً بالتسامح والوحدة وتقبل الآخر، يترفعوا عن مثل هذه المحاولات التي لا ولن تنال من قيمة المغرب أو علمائه وأساتذته، ولنتذكر دائماً إن عرفت مصر بأم الدنيا فإن "المغرب أبوها".

كانت هذه دعوة للتصالح مع الذات ومع الآخر، ومما يلفت النظر في كلمة الآخر أنها تحمل أصوات كلمة "أخ" فدعونا نتآخى، ولا نلتفت لمثيري الخلافات التي لا أساس لها سوى الجهل بقيمة الوحدة ورؤية هذه الوحدة صعبة المنال، رُغم أننا لدينا كل مقومات تلك الوحدة ومن أهمها اللسان العربي الذي ننطق به جميعاً، بل تبقى الإرادة والإصرار للتآلف الذي يجب أن نسعى دائماً لتحقيقه.

ــــــــــــــــــــــــ

مصادر المقال:

- تجربة جامعة القاهرة في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها بمعهد الدراسات التربوية.

- مقال كتبته د. إيمان أحمد هريدي، يناير/كانون الثاني 2013، ضمن منشورات الملتقى الدولي الأول لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، مركز الشيخ زايد بجامعة الأزهر الشريف.

- موقع كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس،

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.