المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هانم الشربيني Headshot

تجربتي مع الختان: يوم جمعنا حلاق القرية

تم النشر: تم التحديث:

لا يمكن أن أنسى ذلك اليوم.

كانت الشمس قاربت على المغيب، حين حضر حلاق القرية بشنطته المعتادة التي تشبه شنط الأطباء، ركن عجلته قرب أحد البيوت، استعد كل بيت لإحضار الولائم له من الفتيات والفتيان ليختنهم.

وصل الخبر لنا ونحن نلهو في الشارع.

هربت من أمي، لم يكن وصل بعدُ إلى منزلنا، كان ينهي مهمته في بيت أحد الجيران، ويذهب إلى بيت آخر ليقوم بالمهمة نفسها، كأنه جزار ينتهي من ذبيحته ويعلقها.

دخل بيتنا الإسمنت الأنيق، وبدأ مسلسله مع بنات عمي، سمعت من الشارع أصوات نحيبهن، وصدى صرخاتهن، لم أر الدماء حولهن، لأنني هربت وبعدت من بيتنا، قدمت أمي إلى الحلاق أختي الصغرى ضحية أولى، ثم ركضت خلفي في الشارع لكي تحضرني للحلاق.

كانت لحظة مؤلمة.

تربينا على أننا حين نغير ملابسنا لا يرانا أحد حتى إخواتنا، وضعوني على طاولة خشب كبيرة في غرفة استقبال الضيوف، كنت أبكي بحرقة، أمسك الحلاق بأكثر أشيائي خصوصية، وقرر الفتك بي في حضرة نساء القرية كافة تقريباً.

ما الذي أحضره إلى منزلنا؟ لا أعرف. أشار إلى أمي وزوجة عمن بأن تمسكاني جيداً وقام بمهمته.

بعد ذلك، شعرت بخجل شديد، لم أرَ الشارع لأيام، ذهبت إلى بيتنا الريفي واستقررت في الدور الثاني منه، حرمت أمي على أختي إدخال اللحوم إلي لأن ذلك، وفقًا للمعتقد الشعبي في القرية، سيجعل جرحي لا يطيب.

عندما كبرت شعرت بتلك الجريمة، ما زالت أتألم حتى اليوم. أسأل نفسي هل قدرنا نحن النساء أن نصير ضحايا في كل شيء؟ كان الختان في قريتنا شيئاً طبيعيّاً. لكن، كشكل مبدئي للتمييز، عندما كان الولد يختن، كان يحضر منشد وتذبح الذبائح وتقام الولائم، ويأكل الولد الحمام لكي يطيب جرحه، أما البنت فلم تكن تحظى بشيء من هذا كلّه.

أتذكر أنني كنت وقتذاك في المرحلة الإعدادية. كانت نساء يوجهن لومهن إلى أمي لتركي من دون ختان. فهن لديهن معتقد بأنه في نهاية المرحلة الابتدائية يحين الموعد. أتذكر رد أمي: "هي ضعيفة، أخشى عليها".

في عرف القرية، الختان شيء ضروري للبنت، تقول النساء أنه عفة لها. لا أحد يجرّم ذلك. الأحاديث التي تدور في التلفزيون لا أهمية لها في ذلك الشأن. يرددن وهن يضحكن: "لازم البنت تبقى باردة هي مش زي الولد"

اليوم العالمي لعدم التسامح إزاء تشويه الأعضاء التناسلية للإناث

"ختان الإناث" أحد أشكال العنف التي تمارس على الفتاة.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يُعرّف هذا النمط من العنف بأنه - تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية.

جاءت فكرة اليوم العالمي لعدم التسامح مطلقاً إزاء تشوية الأعضاء التناسلية للإناث، في 6 فبراير من كل عام، ضمن فاعليات مؤتمر اللجنة الأفريقية الدولية المعنية بالممارسات التقليدية التي تؤثر في صحة المرأة والطفل في مايو 2005.

تبنت الأمم المتحدة الفكرة بعد ذلك.

وأصبح 6 فبراير من كل عام يوماً للتوعية العالمية لإنهاء تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية الممنهج.

#ماينفعش

في مصر، أعلن مركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي، إطلاق حملة جديدة تحت عنوان (#ماينفعش) لتوجيه رسائل توعوية إلى الذكور عبر منصات التواصل الاجتماعي، تزامناً مع اليوم العالمي لمناهضة ختان الإناث.

الهدف هو التعريف بالأضرار والأخطار المترتبة على هذه الممارسة من النواحي النفسية والصحية والاجتماعية والاقتصادية، ومحاولة لخلق حالة من الجدال بين مستخدمي/ ات منصات التواصل الاجتماعي لزيادة الوعي والنقاش المجتمعي لرفض ختان الإناث.

هناك مقالات طبية كثيرة تشرح وتوضح أنواع الختان وتشريح الجهاز التناسلي الأنثوي الخارجي، وتأثير الختان في الجانبين النفسي والعضوي، وتلك المضاعفات أكبر وأعمق أثراً ودائماً يدور الحديث عنها في الغرف المغلقة.

مثلاً، لا أحد يتطرق إلى علاقة الختان بالعملية الجنسية وتأثيرها في مستقبل الزواج، كل ما يردّد في القرى أن الختان عملية تصون شرف البنت.

وإلى اليوم لم يعِ أحد أن الشرف لا يمكن حفظه بالأمواس وإنما تصنعه التربية ويحفظه العقل، ولا تزال التوعية بالآثار الجانبية العضوية أو الجسدية التي تحدث مباشرة أثناء عملية البتر أو بعدها، لم تجد صدًى كافياً للتفاعل معها. فقد يحدث نزيف حاد يؤدي إلى الوفاة أو الإصابة بأنيميا حادة أو مزمنة، إن لم يتم العلاج.

أثناء عملية البتر، ينتج ألم حاد (إذا حصلت من دون تخدير)، قد يسبب صدمة عصبية، إضافة إلى الإصابة بندب أو تجمّع صديد تحت الجلد بعد الانتهاء من عملية البتر.

ومن المضاعفات الطويلة المدى المؤثرة في الحياة الزوجية: العجز الجنسي الذي يصيب المرأة المختونة، وهو يعني عدم قدرة المرأة على التواصل والوصول إلى الذروة الجنسية أو حتى تحقيق الإشباع الجنسي لشريكها.

أضف إلى ذلك، الألم المزمن عند الجماع، والذي يؤثر أيضاً في العلاقة الجنسية، وما يتبعه من آثار نفسية على المرأة وشريكها (التهابات الجهاز التناسلي المتكررة).

لكن، يبقى أن الختان تجربة أضرارها لا تتوقف عند اللحظة التي يحدث فيها.

فأنا أحمل ألمي الذي أصابني في قريتي معي حتى اليوم.

الألم الهائل والصدمة النفسية اللذين تتعرض لهما الفتاة أثناء عملية البتر أو بعدها، يصيب المختونة باضطراب ما بعد الصدمة، ويؤدي إلى اكتئاب ونوبات هلع شديدة، خصوصاً عند الاقتراب من أعضائها الجنسية أثناء إقامة علاقة، وقد يصل بها الأمر إلى الهيستريا في ما بعد.

لماذا الصمت على هذه الجرائم؟

إذا كان الختان مسألة لا بد أن يفتي فيها أهل الخبرة، وهم الأطباء، فلماذا يصر المجتمع على أن يأخذ برأي أهل الجهل ممن يطلقون على أنفسهم لقب الشيوخ؟

هذه التدوينة تم نشرها في رصيف22

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.