المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاني الخولي  Headshot

لماذا لا يكذب الطواغيت؟

تم النشر: تم التحديث:

عملية القيادة تتمحور حول الرؤية والقائد الذي لا يملك رؤية ليس بقائد، وتكون مشكلة البعض في الحكم على القادة إنه يظن أن القائد لا بد أن يكون حسن الخلق، ذا أخلاق جيدة ويسعى لرفعة الإنسانية، وبناءً على هذه النظرة يستثني كثير من الناس الطغاة من بين القادة وهذا خطأ كبير، فكثيرٌ من هؤلاء الطغاة هم قادة حقيقيون يمتلكون كل مقومات وأفعال القادة بل ولهم أتباع يؤمنون كل الإيمان بهم، وهؤلاء الأتباع لديهم من الحماسة ما يكفي للذود عن هذا القائد بأرواحهم وأموالهم وأهليهم.

عملية القيادة تحتاج إلى قائد وهدف وأتباع وتحفيز لكي تكتمل ومن هذه النظرة فإن معظم الطغاة لديهم عملية قيادة حقيقية، نعم هم طغاة والديكتاتورية والقمع هما أهم أدواتهم ولكنها لمعارضيهم أما أتباعهم فلهم الحرية المراقبة، حتى إذا ثبت ولاؤهم فيتم الإنعام عليهم بالحرية التامة في مديح الديكتاتور ورؤاه ونظامه، وصدق أو لا تصدق كثيرٌ منهم ولاؤه حقيقي وإيمانه بهؤلاء الطغاة يعتبره من المبادئ التي يحيا عليها ويستمر هذا الولاء لديهم بعد سقوط هذه الأنظمة أو بعد وفاة الديكتاتور نفسه.

السؤال الذي يتعجب منه البعض في أحاديثهم عن أحوال الطغاة وأنظمتهم "لماذا يكذب هؤلاء الطغاة وهم في غنىً عن هذا الكذب؟" والحقيقة أنه في حالات البعض من الطغاة السؤال نفسه غير دقيق والسؤال الحقيقي والأكثر إثارة للتعجب هو "لماذا لا يكذب بعض الطغاة؟"، ولا تتعجبوا من هذا لأنه وعلى عكس ما يتوقع الكثيرون فإن بعض الطغاة لا يكذب ولا يدعي بل وإنه يسعى كل السعي لتحقيق رؤاه التي يراها للوطن والتي من وجهة نظره هي المصالح العليا بحق لبلاده.

من يقرأ كتاب "كفاحي" يرى جليًّا أن كل أفعال هتلر متسقة تمامًا مع أفكاره منذ شبابه، ولولا الانحراف الفكري الواضح لدى هتلر لكان أحد المفكرين والمنظرين العظماء في العصر الحديث، هتلر منذ نعومة أظافره وهو مؤمن كل الإيمان بتفوق الجنس الآري على باقي الأجناس، ومنذ عودته من الحرب العالمية الأولى وهو يرى ضرورة احتلال ألمانيا للدول المجاورة لكي تستغل مواردها للسيطرة على العالم وهذا حق أصيل لألمانيا لأن الله خلق الجنس الآري ليسود وخلق باقي البشر ليصبحوا أدوات في يد الآريين، كما أن هتلر نظّر لكراهيته لليهود ونظرته شديدة الدونية لهم منذ شبابه وإنهم خطر شديد على دولة ألمانيا، قارن هذا بما فعله هتلر وما وعد به الألمان وما نفذه من هذه الوعود واسأل نفسك لماذا لم يكذب هتلر؟

والمتأمل في قصة فرعون وأتباعه كما رواها القرآن الكريم يرى صراحة فرعون مع أتباعه دون تورية فانظر للآيات وتأمل:
بسم الله الرحمن الرحيم
"وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" غافر (26)
"يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ" غافر (29)

فرعون لم يلجأ لتجميل ما يراه ويطلبه من أتباعه، كونوا شركائي في قتل موسى فإني أخاف أن ينهاكم عن عبادتي وهذا سيظهر الفساد في بر مصر، دعوني أقتله لأنه يهدد نظامنا السياسي القائم على عبادتي والذي يضمن لي ولكم هذه الحياة، ثم قال لا أريكم إلا ما أرى أي أنه صاحب رؤية ويعرضها عليهم وإنها هي الطريقة الأفضل، لم يلجأ فرعون للكذب ولكنه كان صريحًا كل الصراحة، والسؤال الذي يطرح نفسه "لماذا لم يكذب فرعون؟"

الدعوة للجميع هنا ولكل من يحب أن يحلل أو يتعامل مع حالات الطغاة لا بد أن تتعامل معهم من منطلق أنهم قادة أصحاب رؤى وقد تكون رآهم الاقتصادية فعالة في بداياتهم، ولا بد أن تعلم أن خلافاتنا معهم ليست خلافًا على الاقتصاد في المقام الأول والذي سينهار ولو بعد حين لأن حالات الديكتاتورية تؤدي بحكم الفرد إلى حالة من جنون العظمة الذي يجعله يرى نفسه العالم بكل شيء والذي لا يحتاج لرأي أحد فهو أعلى من الجميع، ولكن خلافنا معهم في الأساس على الحالة الاجتماعية للمجتمع وخلاف على حالة الحقوق والحريات والديموقراطية وهم العوامل الأهم لنهضة أي دولة، وأزمة أي دولة أو أمة تكمن في الأساس في قياداتها التي إن امتلكت الرؤية والإرادة لتحركت ببلادها على الطريق، والأمثلة كثر لقادة تحركوا ببلادهم حتى بدون مناصب، وعلى سبيل المثال لا الحصر: غاندي الذي كان أحد أهم أسباب تحرر الهند لم يقبل منصبًا رسميًّا حتى مات، والقيادة هنا هي قيادة أخلاقية تابعة لشخص القائد وهذا هو النوع الأقوى من القيادة والذي تفتقر إليه الدول التي تسعى لنهضتها، لعلنا نتعرض لهذا النوع من القيادة في تدوينة أخرى.