المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 حنيفة أنور بدر Headshot

لا فعل صغير في النضال

تم النشر: تم التحديث:

"أيها المارون بين الكلمات العابرة..
منكم السيف.. ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار.. ومنا لحمنا
منكم دبابةٌ أخرى.. ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز.. ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماءٍ وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا، وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء..
وعلينا، نحن، أن نحيا كما نشاء!!" - محمود درويش

مقطع من قصيدة "عابرون في كلام عابر"، القصيدة التي كتبت في نهاية الثمانينات، وأحدثت أثراً كبيراً في الكيان الصهيوني؛ حيث اجتمع الكنيست لمناقشتها، ووصل الأمر ببعضهم إلى أن يعتبرها تهديداً للوجود الإسرائيلي.

للوهلة الأولى يبدو الأمر مزحة، ففي النهاية هذه قصيدة، والقصيدة مجرد كلمات، ولكن اتضح أنها "كلمات ليست كالكلمات" بالنسبة للإسرائيليين، فالقصيدة استفزت ردود الفعل الصهيونية آنفة الذكر وأكثر.

في الحقيقة لطالما لاحق العدو الكلمة ووسائل التعبير المختلفة التي يرى فيها شكلاً من أشكال المقاومة، وهنا يبرز اسما غسان كنفاني وناجي العلي كاثنين من أكبر الشخصيات الثقافية الفلسطينية التي توقفت عندها محطات الاغتيال الإسرائيلية المتعاقبة.

وإلى يومنا هذا يلاحق الإسرائيليون الكلمة ويحاولون تطويقها ويعاقبون قائلها أو كاتبها، وتوجد مجموعات تابعة للسلطات الإسرائيلية مهمتها الوحيدة متابعة ما ينشر على الإنترنت من منشورات وصور وفيديوهات، فهنا كل شيء مراقب، وكم من شاب أو شابة وأحياناً أطفال تم اعتقالهم خلال انتفاضة القدس الأخيرة فقط لأنهم نشروا كلمات على مواقع التواصل الاجتماعي، رأى فيها الاحتلال تحريضاً أو اشتموا فيه نية ما لمهاجمته مع أن كل ما يمكن أن يقوله المنشور هو كلمة من قبيل "سامحوني"!

نفس الأمر ينطبق على الحجارة وأطفال الحجارة، فلطالما كانت هنالك تلك المبالغة في ردة الفعل في التعامل مع هؤلاء الصبية الصغار، فهم لا يستطيعون مهما فعلوا أن يؤذوا جنودهم فعلاً.. وما الذي يمكنه أن تفعله الحجارة في مقابل عدتهم العسكرية الفتاكة؟ وما الذي يمكن أن ينال من جنود محصنين من رؤوسهم إلى أخمص القدمين؟! ومع ذلك فهم ينظرون إلى الأمر كخطر وجودي يتهددهم، ويتعاملون مع الموضوع بمنتهى الجدية التي تصل إلى الوحشية.

هل نستصغر إمكانياتنا، ونقلل من شأن الأسلحة التي نملكها؟ هل لا نملك الثقة الكافية في قدرتنا على المواجهة؟ هل حصرنا المواجهة في نوع وشكل أسلحة تكافئ ما لديهم من ترسانة، وإلا فما لنا طاقة على النضال؟!

القوم بأنفسهم ينفون ذلك، هم يؤمنون بأن النار تبدأ من مستصغر الشرر، كانوا يرون أنهم إن تسامحوا مع تلك الحجارة في تلك الأيادي الصغيرة فإنهم سيضطرون إلى مواجهة أقسى وأشد مع هؤلاء الصغار عندما يكبرون وتشتد سواعدهم، مواجهة فيها قنابل وأسلحة ومضادات دبابات وطائرات أبابيل!! هم يرون فينا ما لا نراه في أنفسنا على ما يبدو.


"فلنا ما ليس يرضيكم: لنا المستقبلُ
ولنا في أرضنا ما نعملُ..

أيها المارون بين الكلمات العابرة..
كدسوا أوهامكم في حفرةٍ مهجورةٍ، وانصرفوا
وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس
أو إلى توقيت موسيقى مسدس!
فلنا ما ليس يرضيكم هنا، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم: وطن ينزف شعب ينزف
وطن يصلح للنسيان أو للذاكرة..
أيها المارون بين الكلمات العابرة،
آن أن تنصرفوا..
وتقيموا أينما شئتم، ولكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا..
ولتموتوا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا ما نعملُ
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأول
ولنا الحاضرُ، والحاضر، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا..
والآخرة
فاخرجوا من أرضنا..
من برنا.. من بحرنا..
من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا
من كلّ شيء
واخرجوا..
من ذكريات الذاكرة
أيها المارون بين الكلمات العابرة".

علينا أن نعي جيداً أن كل فعل نفعله صغيراً كان أم كبيراً يؤثر فيهم، وكل حركة نأتي بها تستفزهم، وأن أكثر ما يؤلمهم فعلياً هو الرفض وعدم الاعتراف بهم وبكيانهم، علينا أن ندرك أن كلمة (لا) وحدها سلاح، وهي سلاح قوي لمن يدري، وهذه نقولها للكسالى الذين لا يحبون الحراك والمتأففين من أفعال النضال والداعين للدعة والراحة.. ماذا يكلفك قول (لا)؟ ما الذي تخسره عندما تعلن رفضك لهم؟ ماذا يضيرك لو لم تعترف بهم؟ ماذا عليك لو عاملتهم كمارين بين الكلمات العابرة؟!

مختصر الكلام.. لا يحقرن أحدكم من النضال شيئاً ولو كانت كلمةً أو موقفاً.


ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات "هاف بوست" لا تعبّر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.